سلطان الجهني
29-04-2005, 04:10
أهديكم نص حوار الشاعر و الناقد سعود الصاعدي في مجلة ( جواهر ) عدد ( ابريل ) :
إذا ما أردت تذوق نكهة الكتابة ، أو استنشاق رائحة عبير الإبداع ، أو سماع أنغام العزف على الأوراق ، فكل ما عليك فعله هو أن تستجمع كل جوارحك ، و تستدعي شتى حواسك ، لتنصت بعناية فائقة لما يطرحه فكر و قلم الناقد و الشاعر سعود الصاعدي من رؤى و قراءات نقدية ثاقبة تدل على مدى وعيه و ثقافته . . جاء القدر بهذا ( السراج ) المشتعل إبداعاً ، لينير عتمة الظلام الذي خلفه غياب النقد عن الساحة الشعرية ، و ليحرق في ذات الوقت مدعيي النقد و المتطفلين عليه . نحن في ( جواهر ) حرصنا على استضافة سعود الصاعدي انتصافاً للذائقة المعتدلة ، و لنصحبكم معه في رحاب جولة أدبية ممتعة عبر هذا الحوار .
0 لنبدأ حوارنا من حيث فجر عبد الله ناصر العتيبي قنبلته الإعلامية في وجه النقاد ، و وصفه لهم بأنهم ( حشائش صغيرة تحاول النمو على ضفاف نهر الإبداع ) . فما تعليقك لاسيما وأنك من أبرز الأسماء على خارطة النقد حالياً ؟
- لن أتحدّث عن علاقة الناقد والشاعر بوصفي ناقدا ؛ حتّى لا اتّهم بالتحيّز ، لكن الذي أودّ الإشارة إليه هو أنّ التوتر الذي بين الشاعر والناقد ، والذي أشار إليه الأخ عبدالله ناصر العتيبي ضمنا من خلال قسوته على النّقّاد ، هذا التوتّر ليس جديداً ، بل هو قديم ، نشأ من تلك اللحظة التي بدأ فيها أهل اللغة يتعقّبون سقطات الشعراء ، وقد ذكر المرزباني في ( الموشّح ) كثيراً من المواقف المتوتّرة في هذا الشأن ، فالفرزدق كان ينقم على ابن أبي إسحاق لأنّه كان يكتشف أخطاءه ويقوّمها ، هذا عندما كان النقد لا يتعدّى ملاحظة صغيرة أو رأياً انطباعيّاً ، ولكنّه لمّا اتّسع وكثرت مناهجه لم يعد محصوراً على تمييز الجيّد من الرديء كما كان في السابق ، صارت العلاقة فيما بعد بين الناقد والشاعر علاقة مفاعلة واشتراك في صناعة الإبداع ، فالشاعر يحتاج إلى ناقدٍ مبدع يتفاعل من نصّه ويحرّكه من الداخل ، والناقد يحتاج إلى شاعر مبدع يستطيع من خلاله اكتشاف نظريّة نقديّة يؤسّس عليها رؤاه واتّجاهاته ، إذن العلاقة بينهما علاقة تكامل لا علاقة تضادّ كما هو واضحٌ من رؤية الأخ الشاعر عبدالله ناصر ، وبالمناسبة لابدّ من القول إنّ الذي اكتشف النقد بمفهومه الحديث و وطّد العلاقة بين الشاعر والناقد هو الجرجانيّ فما حقّه أن يهضم وقد ترك نظريّة في قراءة النصوص امتدّت إلى زماننا هذا ولا يزال النقد الحديث يستمدّ منها أسسه ومعاييره .
0 برأيك هل ثمة خصوصية للنص الشعبي ، أسهمت بشكل أو بآخر عن تحصينه من القراءات و الدراسات النقدية المتخصصة ، باعتبار أن الأدوات النقدية الأدبية المنهجية لا يمكن إسقاطها على نص عامي ؟
- خصوصيّة النصّ الشعبيّ في شفهيّته ، فهو – في مرجعيّته – نصٌّ مسموع ، وذلك لاعتماده على " اللهجة المحكيّة " لكنّ هذه الخصوصيّة لا تقف عائقاً أمام تناوله تناولاً نقديّا بحسب المناهج النقديّة الحديثة ، لسبب بسيط هو أنّ النصّ الشعبيّ لم يعد ذلك النصّ التلقائيّ المستند على ذاكرة الأجداد ، ولعلّ القريب من المشهد الشعبيّ يلحظ ما وصلت إليه القصيدة الشعبيّة الحديثة من مستوى جعلها أقرب إلى الفصحى في دلالاتها ورموزها وإيحاءاتها ، وهذا يعني أنّه بإمكاننا أن نقرأ النصّ العاميّ بآليّات النقد المنهجي متى ما وجدنا الشاعر العاميّ المتمكّن من أدوات الشعر ، كما نلاحظ ذلك في قصائد الحميدي الثقفي وفهد عافت المكتوبة بتقنية إبداعيّة عالية، فالمشكلة لا تعود إلى النصّ بقدر ما تعود إلى ندرة الشعراء .
0 تناولت عدد من الأبيات الشعرية و لأكثر من شاعر بتحليلات نقدية . و لكن إلا تخشى أن يخضع اختيارك لهذه الأبيات لتأثير الذائقة الخاصة ، و بالتالي تغييب و إقصاء ما يختلف مع هذه الذائقة عن التحليل النقدي ؟
- لا يمكن لأيّ ناقد أن ينفصل عن ذائقته الخاصّة ، لأنّ هذه الذائقة هي المؤشّر الأوّل الذي يقودنا إلى الاختيار ، ثمّ بعد ذلك تجيء القراءة المتأنية الاكتشافيّة ، وفي اختياري للأبيات الشوارد كنت معتمداً على ذائقتي الخاصّة ، بيد أنّ قراءاتي لها من خلال زاوية ( أعواد ثقاب ) كانت ترتكز على التحليل والتفسير لإشراك القارىء في التذوّق ، وليس لإرغامه على الإعجاب بسوط النقد ، ويبقى الحكم الأخير له فإن وجد ما يلامس ذائقته فذاك، و إن لم يجد فالفنّ متّسع المشارب والرؤى ، أمّا مسألة التغييب والإقصاء لما يتعارض مع الذائقة الخاصّة ، فالمطروح للنقد كلّه يدور في إطار الذائقة ، ومن خلال التحليل قد يكتشف الناقد ثغرات يسدّها ، وقد أشرت إلى بعضها في أحد الأبيات التي درستها .
0 لما أنت مقل في تقديم أوراق و دراسات نقدية لتجارب شعرية أو حتى لقصائد كاملة ؟ . أو بشكل أوضح إلا توجد تجارب أو قصائد تستثير قريحتك النقدية للكتابة الإبداعية عنها ؟
- بالنسبة للتجارب الشعريّة ، لا أخفيك أنّني أقدّم رجلاً وأؤخّر أخرى حول بعض الشعراء اللافتين في المشهد الشعريّ ، لكنّ الذي يمنعني من اقتحام تجاربهم عدّة أسباب ـ منها ضغوط الوقت ، واستهلاك بعضهم إعلاميّا ، وإن كنت أجد في نفسي رغبة ملحّة للتوغّل في تجربة الشاعر خالد الردّادي ، وربما أفعل ذلك متى ما وجدت فرصة سانحة ، إذ إنّ هذا الشاعر يسير في خطّ شعريّ جديد وباستطاعة الناقد أن يقبض على ملامح تجربته بخلاف أكثر الشعراء الذين يكتبون الشعر كيفما اتّفق .
0 برأيك هل تقبل تجربة فهد عافت ذلك الاختلاف في الرؤى النقدية كما حدث بين رؤيتك و رؤية عواض العصيمي ؟ أما أن ضبابية ما قد اعترت و ضوح إحدى الرؤيتين ؟
- أيّ تجربة شعريّة يختلف عليها هي تجربة ناجحة ، شريطة أن يكون الاختلاف حول الإبداع ، لا حول الخلق أو الشخصيّة ، وفهد عافت شاعر مرّ بمرحلتين : المرحلة الأولى كتب فيها أجمل قصائده لأنّه يبحث عن الأجمل ، أمّا المرّة الثانية فيبدو لي أنّه كتب تحت هاجس الريادة فكان شعره يتراوح بين غموض الفنّ وفنّ الغموض ، ومن هنا نشأ الاختلاف بيني وبين عوّاض العصيميّ ، ولعلّ قرب عوّاض من تجربة فهد أرته أشياء لم أرها ، فكنت أقرأ النصّ بمعزل عن فهد عافت ، وكان عوّاض يقرأ فهد عافت داخل النصّ ، فكان من الطبيعيّ أن نختلف حول بعض قصائده ، لا أقول جميع نتاجه الشعريّ .
0 سبق و أن تحدثت في إحدى أوراقك النقدية عن ( التجاوز الديني ) في النص الشعري . فهل لك أن تقدم لنا بعض النماذج لهذه التجاوزات . و ما هي المسببات كما تراها لحدوث مثل هذا التجاوز من قبل بعض الشعراء ؟
- أرجو– أخي سلطان – أن تعفيني من ذكر نماذج للتجاوز الديني ، ففي ورقتي التي أشرت إليها بعض من هذه النصوص ، ولا يحسن بي أن أعيدها كرّة ثانية ، أمّا أسباب التجاوز الديني في الشعر العاميّ ، فإضافة إلى ما ذكرته في تلك الورقة التي لا أريد تكرار ما فيها ، فأهمّ سبب – في رأيي – اعتقاد البعض أنّ المفردة الشعريّة لا علاقة لها بالسياق الدلاليّ في النصّ ، فتجد الشاعر يوظّف مفردة من المفردات – كالعبادة مثلاً – ويحتجّ بمعناها اللغويّ وهو التذليل أو الخضوع ، بينما تجدها في السياق لا تخرج عن العبادة بمفهومها الشرعيّ ، وقس على ذلك في بقيّة المفردات المتجاوزة والتي يظنّ البعض أنّ مجرّد نقلها من الاستعمال اليوميّ إلى حيّز الإبداع الشعريّ دون مراعاة لسياقها يخرجها من التجاوز ويمنحها جواز العبور .
0 كثر الجدل حول شعر القلطة . فبينما يرى فيه البعض إبداعاً ينعكس في سرعة البديهة و جمالية إخفاء المعنى و صراع الفتل و النقض ، يرى فيه آخرون أنه عبارة عن تبادل رخيص للشتائم و السباب . فما رأيك بالقلطة كناقد ؟
- المفهوم السائد عن شعر القلطة يضعه في حيّز السبّ والشتم والابتذال ، وأكثر الشعراء ورثوا هذا المفهوم وخاضوا معارك القلطة بهذا التصوّر ، ولا سيّما الشعراء المتأخّرين ، أمّا الشعراء الذين يجيدون الفتل والنقض فأكثر ما يدور بينهم في هذا الفنّ يعتمد على سرعة البديهة وجماليّة إخفاء المعنى ، وهذا تجده عند الشعراء الكبار كمطلق وصيّاف ومستور ، وقبلهم المسعودي ، ومن الطريف أنّ بعض جمهور القلطة يؤولون ما يدور بين الشاعرين وفق التصوّر الخاطىء وربما لم يرد في خلد أيّ من الشاعرين مثل ذلك التأويل ، وهذا بالطبع لا يعني خلوّ شعر القلطة من السبّ والشتم ، كما إنّه لا يخلو من المعاني الشريفة والسموّ الأخلاقي .
0 في حوار له اختزل نايف الجهني أسماء من خدموا العملية النقدية في ساحة الشعر الشعبي بشكل جدي باسمين فقط هما ( عواض العصيمي و نايف الجهني ) . فما رأيك فيما ذكره نايف ؟
- رأي نايف الجهني يمثّله ولا نملك مصادرته ، فعوّاض العصيمي بلاشكّ ترك فراغاً في المشهد النقديّ لا يسدّه سواه ، أمّا نايف الجهني فلم أقترب منه أكثر إلاّ من خلال روايته " الحدود " قرأتها بعمق فوجدت فكراً حيّا يتحرّك بين سطوره ولغةً شاعرة تخطو برفق ، ولكنّني – وللحقّ – لم أجد له في النقد ما وجدته لعوّاض العصيمي .
0 بما أن الحديث عن النقد . و بما عرف عنك من موضوعية متناهية . كيف ترى كتاب ( القصيدة الشعبية الحديثة ـ قراءات و دراسات ) لعبد الله الفارسي ، لاسيما أنه أحدث الإصدارات التي تناولت نقد النص الشعبي الحديث ؟
- كتاب القصيدة الحديثة الذي أصدره الأخ الزميل عبدالله الفارسي خطوةٌ أولى ، وجادّة ، نحو توثيق الشعر العاميّ الحديث ، وهذه الخطوة تحسب للفارسيّ ، فالتوثيق والتدوين النقديّ للشعر العاميّ الحديث نقلةٌ نوعيّة من مرحلةٍ إلى مرحلة ، من مرحلة التأسيس والتنظير إلى مرحلة التدوين والتوثيق ، وقد نجح الفارسيّ في خطوته الأولى ، وحتماً تحتاج هذه الخطوة إلى ثانية وثالثة لنستطيع – فيما بعد – رصد الحركة النقديّة في مرحلة ما بعد التدوين .
0 قصيدة ( الفتى الوهابي ) كتبت بروحانية جميلة ، إلا أن عنوان النص الواضح لم يمنع من أن تتهم القصيدة باحتضان بعض الابتهالات الصوفية . فهل تلزم كتابة الابتهالات بالنص الديني بالضرورة التأثر بالفكر الصوفي ذاته ؟
- أيّ نصّ شعريّ تمتزج فيه الروح الدينيّة بالغزل العذريّ العفيف يصنّف تلقائيّاً بأنّه متأثّرٌ بالفكر الصوفي ، والسبب – في رأيي – يرجع إلى أنّ الفكر الصوفي تجاوز في الحبّ الإلهيّ فعبّر عنه بطريقة الشعراء الغزلين ، وهذا ممّا لا يليق بمقام الله سبحانه ، ومن هنا نشأت علاقة بين الشعر الدينيّ الممتزج بالغزل وبين الشعر الصوفيّ ، فظنّ البعض أنّ هذا من ذاك ، وليس الواقع كذلك ، ولهذا فإنني أؤكّد على أنّ قصيدتي وهّابيّة لم تخرج عن عنوانها ، وما ورد فيها إنّما هي عواطف روحيّة لا شطحات صوفيّة .
0 تكتب ـ يا أبا خالد ـ النص الفصحوي و العامي . و في رأيي ـ الشخصي ـ أنك أكثر إبداعاً في الشعر الفصيح ، ربما لأنك تجد فيه ما يستوعب ثقافتك و تشبعك الأدبي أكثر من العامي . فهل توافقني الرأي في ذلك ؟
- تستهويني كتابة الشعر بنوعيه ( الفصيح والعامّيّ ) ، وعن أيّهما أبدع فيه فهذا شأن القارىء ، فلك أن ترى ما رأيت ، ولغيرك أن يخالفك ، ولثالث أن يرى أنّني لا أجيد لا هذا ولا ذاك ، أمّا أنا فالذي يهمّني من الشعر أن أجد نفسي فيما أكتب ، فصيحاً أو عاميّاً .
0 و هل تختار نوعية كتابة النص أما أن حالة الإلهام الشعري ـ إن جاز التعبير ـ هي من تفرض نوعية كتابته ؟
- الحالة هي التي تفرض عليّ اختيار أحدهما ، أحياناً أجد في نفسي رغبة تترنّم بقصيدة فصيحة ، وأحياناً أخرى أجدني أكثر ميلاً لكتابة الشعر العاميّ والترنّم به ، وعموماً فإنّ الجوّ المحيط بالشاعر يفرض عليه نوع الشعر ، عش مع شعراء الفصحى تجد نفسك أقرب إليهم ..وعش مع الشعراء الشعبيّين تجدك دون شعور تتمتم بأبيات عاميّة ويخفق قلبك بها .
0 يغلب على كتابتك الشعرية الانحياز للقالب العامودي . فهل هو التمسك بالأصالة ؟ أم الحذر من الانسياق خلف قالب و مضمون الحداثة ؟
- لا علاقة للقالب بالمضمون ، فالشاعر يستطيع أن يصبّ فكره في أيّ قالبٍ شعريّ ، وعن نفسي فلا أجد حرجاً في كتابة الشعر التفعيليّ ، بل على العكس تماماً أرى أنّه أكثر احتواءً لمشاعر إنسان هذا العصر ، ومن العجيب أنّ أحد أصدقائي يرى أنّني أبدع في شعر التفعيلة أكثر ، بخلاف ما طرحته في سؤالك من انحيازي للشعر العموديّ ، غير أنّني أحبّ أن أؤكّد أنّ كثرة القالب العمودي في شعري راجعٌ إلى أنّه الأساس في تشكيل تجربتي ، وهذا لا يعني عدم كتابتي لشعر التفعيلة ، فقد كتبته فصيحاً وعاميّاً ، خذ على سبيل المثال بعض قصائدي الفصحى التفعيليّة ( حكمة الصنبور ، الضمير المستتر ، يا سيّدي ، أوراق عربيّ ، على شفير المقبرة ) وفي الشعر العاميّ ( حارتنا القديمة ، يا بلادي ، رابع سنة ، دفتر الشرطي .
0 كتبت سلسلة جميلة من المقالات تحت عنوان ( ذاكرة المدينة ) . فهل لديك توجه مستقبلي لتجميع هذه المقالات و غيرها بين دفتي كتاب ؟
- كتبت قبل أربع سنوات أو أكثر ثلاثين حلقة تجوّلت بها داخل حيّنا القديم ، ولكنني كنت غير راض عن صياغتها لأنّي كتبتها لنفسي ، وقد أخرجت منها أربع حلقات عند الزميل هليّل المزيني في ملحق شموس ، ولا أخفيك أنّ فكرة إعادة صياغتها من جدبد راودتني لولا أنّ ما يشغلني الآن أهمّ من هذا المشروع .
0 بما أن الحديث عن ( ذاكرة المدينة ) . إلا تدفعك هذه الذاكرة المدعومة بجمال و روعة أسلوبك الأدبي إلى إعادة صياغتها بشكل روائي ؟ أو على الأقل ألم تحرك بك ـ هذه الذاكرة ـ القدرة الروائية الكامنة في داخلك ؟
- بالنسبة لاقتحام التجربة الروائيّة ، رغم خطورتها ، فإنّها- كفكرة مشروع كتاب الذاكرة- واردة وقد حدّثت نفسي بخوض تجربة الرواية ، ليس من أجل أن أكون روائيّا ، أو تقليداً لهذه الظاهرة الجديدة في مشهدنا الثقافيّ ، ولكن لأنّ في داخلي مدينة من العواطف والشعور وأظنّ أنّ فنّ الرواية هو الفنّ الأقرب للكاتب الذي يريد أن يصرخ وحده في فوّهة بئر عميقة .
0 لنعد إلى ( النقد ) ، بودي أن أسألك عن أبرز السمات التي تراها في تجربة طلال حمزة ، كنموذج مهم في الأسماء الشعرية التي حظيت باحتفاء الإعلام الشعبي ؟
- حين انحاز الشعراء للألفاظ ، انحاز طلال حمزة للفكرة البعيدة عن قارعة الطريق ، و بذلك استطاع أن يبتعد عن الزحام ، لعلَ هذا هو الخيط الرفيع بين طلال حمزة و غيره من الشعراء ، فشعره بسيط لا يحتوي على موسيقى صاخبة من الألفاظ ، ملامحه غير معقدة التركيب ، تأمَل قوله : وش يذبح الرجَال غير انَه يشوف
أخسَ خلق الله ياخذ مكانه !
ستجد البيت بسيطا في تركيبه و مفرداته ، لكنَ اقتناص هذه ( الفكرة ) للتعبير عن حالة الزمن الرديء هو ما جعله خارج التراكم الشعريَ ، ولاشك أنَ تميَز طلال حمزة كان أكثر في شعر التفعيلة .
0 هل يفتقر الشاعر الشعبي إلى القدرة في وضع بصمته الشعرية على ما يكتبه من نصوص ، و إلا كيف يستطيع شاعر شاب أن ينتحل اسم نايف صقر و ينشر قصيدة باسمه على صفحة كاملة في إحدى المجلات ؟
- لا الشاعر الشعبيّ ، ولا غيره من الشعراء ، يستطيع أن يضع له بصمة بالمعنى الذي يتعذّر على أحدٍ سرقته ، هناك منهج شعريّ يمكن تصنيف الشعراء من خلاله ، بعض الشعراء لا يحيد عن منهجه ، والبعض الآخر يراوح بين منهجٍ ومنهج ، وبناءً على هذا التراوح والاحتكاك بين الشعراء فإنّه لا يستطيع أحدٌ أن يكتشف " قصيدة " منحولة ، ولا أن يردّ نصّاً مسروقاً لصاحبه
0 برأيك هل يمكن لصحافة الأدب الشعبي ممثلة بالمجلات المتخصصة أن تقدم رسالتها في خدمة الموروث و تقديم رسالة أدبية واعية دون الإخلال بضوابط الجانب التسويقي الذي تعتمد عليه في مبيعاتها ؟
- كنت قبل أن أقترب من العمل الصحفي في المجلات أظن أن تغيير النظرة السائدة للصحافة الشعبية من خلال المجلات لا تحتاج إلى أكثر من تغيير الغلاف وكثافة المادة الثقافية ، و بعد أن اقتربت أكثر وجدت أن ( التسويق ) هو كل شيء و أن الثقافة و خدمة الموروث لا تتجاوز ترويسة المجلة . فخرجت بهذا الرأي . لا يقف ضد ثقافة القارىء سوى القارىء فلنخلَص الأول من الثاني كي نستطيع خدمة الموروث و نقدم له رسالة أدبية واعية دون الحاجة إلى التسويق الذي يصرفه من رسالتنا إليه . و أبشرك ، يا أخ سلطان ، فثمة مجلات بدأت تضع في اعتبارها ما ينبغي أن تقدمه لقارئها ، لا ما ينبغي أن تعمله لسياسة التوزيع و الطلب
-------------------------------------------
حوار : سلطان الجهني
جواهر - أبريل
إذا ما أردت تذوق نكهة الكتابة ، أو استنشاق رائحة عبير الإبداع ، أو سماع أنغام العزف على الأوراق ، فكل ما عليك فعله هو أن تستجمع كل جوارحك ، و تستدعي شتى حواسك ، لتنصت بعناية فائقة لما يطرحه فكر و قلم الناقد و الشاعر سعود الصاعدي من رؤى و قراءات نقدية ثاقبة تدل على مدى وعيه و ثقافته . . جاء القدر بهذا ( السراج ) المشتعل إبداعاً ، لينير عتمة الظلام الذي خلفه غياب النقد عن الساحة الشعرية ، و ليحرق في ذات الوقت مدعيي النقد و المتطفلين عليه . نحن في ( جواهر ) حرصنا على استضافة سعود الصاعدي انتصافاً للذائقة المعتدلة ، و لنصحبكم معه في رحاب جولة أدبية ممتعة عبر هذا الحوار .
0 لنبدأ حوارنا من حيث فجر عبد الله ناصر العتيبي قنبلته الإعلامية في وجه النقاد ، و وصفه لهم بأنهم ( حشائش صغيرة تحاول النمو على ضفاف نهر الإبداع ) . فما تعليقك لاسيما وأنك من أبرز الأسماء على خارطة النقد حالياً ؟
- لن أتحدّث عن علاقة الناقد والشاعر بوصفي ناقدا ؛ حتّى لا اتّهم بالتحيّز ، لكن الذي أودّ الإشارة إليه هو أنّ التوتر الذي بين الشاعر والناقد ، والذي أشار إليه الأخ عبدالله ناصر العتيبي ضمنا من خلال قسوته على النّقّاد ، هذا التوتّر ليس جديداً ، بل هو قديم ، نشأ من تلك اللحظة التي بدأ فيها أهل اللغة يتعقّبون سقطات الشعراء ، وقد ذكر المرزباني في ( الموشّح ) كثيراً من المواقف المتوتّرة في هذا الشأن ، فالفرزدق كان ينقم على ابن أبي إسحاق لأنّه كان يكتشف أخطاءه ويقوّمها ، هذا عندما كان النقد لا يتعدّى ملاحظة صغيرة أو رأياً انطباعيّاً ، ولكنّه لمّا اتّسع وكثرت مناهجه لم يعد محصوراً على تمييز الجيّد من الرديء كما كان في السابق ، صارت العلاقة فيما بعد بين الناقد والشاعر علاقة مفاعلة واشتراك في صناعة الإبداع ، فالشاعر يحتاج إلى ناقدٍ مبدع يتفاعل من نصّه ويحرّكه من الداخل ، والناقد يحتاج إلى شاعر مبدع يستطيع من خلاله اكتشاف نظريّة نقديّة يؤسّس عليها رؤاه واتّجاهاته ، إذن العلاقة بينهما علاقة تكامل لا علاقة تضادّ كما هو واضحٌ من رؤية الأخ الشاعر عبدالله ناصر ، وبالمناسبة لابدّ من القول إنّ الذي اكتشف النقد بمفهومه الحديث و وطّد العلاقة بين الشاعر والناقد هو الجرجانيّ فما حقّه أن يهضم وقد ترك نظريّة في قراءة النصوص امتدّت إلى زماننا هذا ولا يزال النقد الحديث يستمدّ منها أسسه ومعاييره .
0 برأيك هل ثمة خصوصية للنص الشعبي ، أسهمت بشكل أو بآخر عن تحصينه من القراءات و الدراسات النقدية المتخصصة ، باعتبار أن الأدوات النقدية الأدبية المنهجية لا يمكن إسقاطها على نص عامي ؟
- خصوصيّة النصّ الشعبيّ في شفهيّته ، فهو – في مرجعيّته – نصٌّ مسموع ، وذلك لاعتماده على " اللهجة المحكيّة " لكنّ هذه الخصوصيّة لا تقف عائقاً أمام تناوله تناولاً نقديّا بحسب المناهج النقديّة الحديثة ، لسبب بسيط هو أنّ النصّ الشعبيّ لم يعد ذلك النصّ التلقائيّ المستند على ذاكرة الأجداد ، ولعلّ القريب من المشهد الشعبيّ يلحظ ما وصلت إليه القصيدة الشعبيّة الحديثة من مستوى جعلها أقرب إلى الفصحى في دلالاتها ورموزها وإيحاءاتها ، وهذا يعني أنّه بإمكاننا أن نقرأ النصّ العاميّ بآليّات النقد المنهجي متى ما وجدنا الشاعر العاميّ المتمكّن من أدوات الشعر ، كما نلاحظ ذلك في قصائد الحميدي الثقفي وفهد عافت المكتوبة بتقنية إبداعيّة عالية، فالمشكلة لا تعود إلى النصّ بقدر ما تعود إلى ندرة الشعراء .
0 تناولت عدد من الأبيات الشعرية و لأكثر من شاعر بتحليلات نقدية . و لكن إلا تخشى أن يخضع اختيارك لهذه الأبيات لتأثير الذائقة الخاصة ، و بالتالي تغييب و إقصاء ما يختلف مع هذه الذائقة عن التحليل النقدي ؟
- لا يمكن لأيّ ناقد أن ينفصل عن ذائقته الخاصّة ، لأنّ هذه الذائقة هي المؤشّر الأوّل الذي يقودنا إلى الاختيار ، ثمّ بعد ذلك تجيء القراءة المتأنية الاكتشافيّة ، وفي اختياري للأبيات الشوارد كنت معتمداً على ذائقتي الخاصّة ، بيد أنّ قراءاتي لها من خلال زاوية ( أعواد ثقاب ) كانت ترتكز على التحليل والتفسير لإشراك القارىء في التذوّق ، وليس لإرغامه على الإعجاب بسوط النقد ، ويبقى الحكم الأخير له فإن وجد ما يلامس ذائقته فذاك، و إن لم يجد فالفنّ متّسع المشارب والرؤى ، أمّا مسألة التغييب والإقصاء لما يتعارض مع الذائقة الخاصّة ، فالمطروح للنقد كلّه يدور في إطار الذائقة ، ومن خلال التحليل قد يكتشف الناقد ثغرات يسدّها ، وقد أشرت إلى بعضها في أحد الأبيات التي درستها .
0 لما أنت مقل في تقديم أوراق و دراسات نقدية لتجارب شعرية أو حتى لقصائد كاملة ؟ . أو بشكل أوضح إلا توجد تجارب أو قصائد تستثير قريحتك النقدية للكتابة الإبداعية عنها ؟
- بالنسبة للتجارب الشعريّة ، لا أخفيك أنّني أقدّم رجلاً وأؤخّر أخرى حول بعض الشعراء اللافتين في المشهد الشعريّ ، لكنّ الذي يمنعني من اقتحام تجاربهم عدّة أسباب ـ منها ضغوط الوقت ، واستهلاك بعضهم إعلاميّا ، وإن كنت أجد في نفسي رغبة ملحّة للتوغّل في تجربة الشاعر خالد الردّادي ، وربما أفعل ذلك متى ما وجدت فرصة سانحة ، إذ إنّ هذا الشاعر يسير في خطّ شعريّ جديد وباستطاعة الناقد أن يقبض على ملامح تجربته بخلاف أكثر الشعراء الذين يكتبون الشعر كيفما اتّفق .
0 برأيك هل تقبل تجربة فهد عافت ذلك الاختلاف في الرؤى النقدية كما حدث بين رؤيتك و رؤية عواض العصيمي ؟ أما أن ضبابية ما قد اعترت و ضوح إحدى الرؤيتين ؟
- أيّ تجربة شعريّة يختلف عليها هي تجربة ناجحة ، شريطة أن يكون الاختلاف حول الإبداع ، لا حول الخلق أو الشخصيّة ، وفهد عافت شاعر مرّ بمرحلتين : المرحلة الأولى كتب فيها أجمل قصائده لأنّه يبحث عن الأجمل ، أمّا المرّة الثانية فيبدو لي أنّه كتب تحت هاجس الريادة فكان شعره يتراوح بين غموض الفنّ وفنّ الغموض ، ومن هنا نشأ الاختلاف بيني وبين عوّاض العصيميّ ، ولعلّ قرب عوّاض من تجربة فهد أرته أشياء لم أرها ، فكنت أقرأ النصّ بمعزل عن فهد عافت ، وكان عوّاض يقرأ فهد عافت داخل النصّ ، فكان من الطبيعيّ أن نختلف حول بعض قصائده ، لا أقول جميع نتاجه الشعريّ .
0 سبق و أن تحدثت في إحدى أوراقك النقدية عن ( التجاوز الديني ) في النص الشعري . فهل لك أن تقدم لنا بعض النماذج لهذه التجاوزات . و ما هي المسببات كما تراها لحدوث مثل هذا التجاوز من قبل بعض الشعراء ؟
- أرجو– أخي سلطان – أن تعفيني من ذكر نماذج للتجاوز الديني ، ففي ورقتي التي أشرت إليها بعض من هذه النصوص ، ولا يحسن بي أن أعيدها كرّة ثانية ، أمّا أسباب التجاوز الديني في الشعر العاميّ ، فإضافة إلى ما ذكرته في تلك الورقة التي لا أريد تكرار ما فيها ، فأهمّ سبب – في رأيي – اعتقاد البعض أنّ المفردة الشعريّة لا علاقة لها بالسياق الدلاليّ في النصّ ، فتجد الشاعر يوظّف مفردة من المفردات – كالعبادة مثلاً – ويحتجّ بمعناها اللغويّ وهو التذليل أو الخضوع ، بينما تجدها في السياق لا تخرج عن العبادة بمفهومها الشرعيّ ، وقس على ذلك في بقيّة المفردات المتجاوزة والتي يظنّ البعض أنّ مجرّد نقلها من الاستعمال اليوميّ إلى حيّز الإبداع الشعريّ دون مراعاة لسياقها يخرجها من التجاوز ويمنحها جواز العبور .
0 كثر الجدل حول شعر القلطة . فبينما يرى فيه البعض إبداعاً ينعكس في سرعة البديهة و جمالية إخفاء المعنى و صراع الفتل و النقض ، يرى فيه آخرون أنه عبارة عن تبادل رخيص للشتائم و السباب . فما رأيك بالقلطة كناقد ؟
- المفهوم السائد عن شعر القلطة يضعه في حيّز السبّ والشتم والابتذال ، وأكثر الشعراء ورثوا هذا المفهوم وخاضوا معارك القلطة بهذا التصوّر ، ولا سيّما الشعراء المتأخّرين ، أمّا الشعراء الذين يجيدون الفتل والنقض فأكثر ما يدور بينهم في هذا الفنّ يعتمد على سرعة البديهة وجماليّة إخفاء المعنى ، وهذا تجده عند الشعراء الكبار كمطلق وصيّاف ومستور ، وقبلهم المسعودي ، ومن الطريف أنّ بعض جمهور القلطة يؤولون ما يدور بين الشاعرين وفق التصوّر الخاطىء وربما لم يرد في خلد أيّ من الشاعرين مثل ذلك التأويل ، وهذا بالطبع لا يعني خلوّ شعر القلطة من السبّ والشتم ، كما إنّه لا يخلو من المعاني الشريفة والسموّ الأخلاقي .
0 في حوار له اختزل نايف الجهني أسماء من خدموا العملية النقدية في ساحة الشعر الشعبي بشكل جدي باسمين فقط هما ( عواض العصيمي و نايف الجهني ) . فما رأيك فيما ذكره نايف ؟
- رأي نايف الجهني يمثّله ولا نملك مصادرته ، فعوّاض العصيمي بلاشكّ ترك فراغاً في المشهد النقديّ لا يسدّه سواه ، أمّا نايف الجهني فلم أقترب منه أكثر إلاّ من خلال روايته " الحدود " قرأتها بعمق فوجدت فكراً حيّا يتحرّك بين سطوره ولغةً شاعرة تخطو برفق ، ولكنّني – وللحقّ – لم أجد له في النقد ما وجدته لعوّاض العصيمي .
0 بما أن الحديث عن النقد . و بما عرف عنك من موضوعية متناهية . كيف ترى كتاب ( القصيدة الشعبية الحديثة ـ قراءات و دراسات ) لعبد الله الفارسي ، لاسيما أنه أحدث الإصدارات التي تناولت نقد النص الشعبي الحديث ؟
- كتاب القصيدة الحديثة الذي أصدره الأخ الزميل عبدالله الفارسي خطوةٌ أولى ، وجادّة ، نحو توثيق الشعر العاميّ الحديث ، وهذه الخطوة تحسب للفارسيّ ، فالتوثيق والتدوين النقديّ للشعر العاميّ الحديث نقلةٌ نوعيّة من مرحلةٍ إلى مرحلة ، من مرحلة التأسيس والتنظير إلى مرحلة التدوين والتوثيق ، وقد نجح الفارسيّ في خطوته الأولى ، وحتماً تحتاج هذه الخطوة إلى ثانية وثالثة لنستطيع – فيما بعد – رصد الحركة النقديّة في مرحلة ما بعد التدوين .
0 قصيدة ( الفتى الوهابي ) كتبت بروحانية جميلة ، إلا أن عنوان النص الواضح لم يمنع من أن تتهم القصيدة باحتضان بعض الابتهالات الصوفية . فهل تلزم كتابة الابتهالات بالنص الديني بالضرورة التأثر بالفكر الصوفي ذاته ؟
- أيّ نصّ شعريّ تمتزج فيه الروح الدينيّة بالغزل العذريّ العفيف يصنّف تلقائيّاً بأنّه متأثّرٌ بالفكر الصوفي ، والسبب – في رأيي – يرجع إلى أنّ الفكر الصوفي تجاوز في الحبّ الإلهيّ فعبّر عنه بطريقة الشعراء الغزلين ، وهذا ممّا لا يليق بمقام الله سبحانه ، ومن هنا نشأت علاقة بين الشعر الدينيّ الممتزج بالغزل وبين الشعر الصوفيّ ، فظنّ البعض أنّ هذا من ذاك ، وليس الواقع كذلك ، ولهذا فإنني أؤكّد على أنّ قصيدتي وهّابيّة لم تخرج عن عنوانها ، وما ورد فيها إنّما هي عواطف روحيّة لا شطحات صوفيّة .
0 تكتب ـ يا أبا خالد ـ النص الفصحوي و العامي . و في رأيي ـ الشخصي ـ أنك أكثر إبداعاً في الشعر الفصيح ، ربما لأنك تجد فيه ما يستوعب ثقافتك و تشبعك الأدبي أكثر من العامي . فهل توافقني الرأي في ذلك ؟
- تستهويني كتابة الشعر بنوعيه ( الفصيح والعامّيّ ) ، وعن أيّهما أبدع فيه فهذا شأن القارىء ، فلك أن ترى ما رأيت ، ولغيرك أن يخالفك ، ولثالث أن يرى أنّني لا أجيد لا هذا ولا ذاك ، أمّا أنا فالذي يهمّني من الشعر أن أجد نفسي فيما أكتب ، فصيحاً أو عاميّاً .
0 و هل تختار نوعية كتابة النص أما أن حالة الإلهام الشعري ـ إن جاز التعبير ـ هي من تفرض نوعية كتابته ؟
- الحالة هي التي تفرض عليّ اختيار أحدهما ، أحياناً أجد في نفسي رغبة تترنّم بقصيدة فصيحة ، وأحياناً أخرى أجدني أكثر ميلاً لكتابة الشعر العاميّ والترنّم به ، وعموماً فإنّ الجوّ المحيط بالشاعر يفرض عليه نوع الشعر ، عش مع شعراء الفصحى تجد نفسك أقرب إليهم ..وعش مع الشعراء الشعبيّين تجدك دون شعور تتمتم بأبيات عاميّة ويخفق قلبك بها .
0 يغلب على كتابتك الشعرية الانحياز للقالب العامودي . فهل هو التمسك بالأصالة ؟ أم الحذر من الانسياق خلف قالب و مضمون الحداثة ؟
- لا علاقة للقالب بالمضمون ، فالشاعر يستطيع أن يصبّ فكره في أيّ قالبٍ شعريّ ، وعن نفسي فلا أجد حرجاً في كتابة الشعر التفعيليّ ، بل على العكس تماماً أرى أنّه أكثر احتواءً لمشاعر إنسان هذا العصر ، ومن العجيب أنّ أحد أصدقائي يرى أنّني أبدع في شعر التفعيلة أكثر ، بخلاف ما طرحته في سؤالك من انحيازي للشعر العموديّ ، غير أنّني أحبّ أن أؤكّد أنّ كثرة القالب العمودي في شعري راجعٌ إلى أنّه الأساس في تشكيل تجربتي ، وهذا لا يعني عدم كتابتي لشعر التفعيلة ، فقد كتبته فصيحاً وعاميّاً ، خذ على سبيل المثال بعض قصائدي الفصحى التفعيليّة ( حكمة الصنبور ، الضمير المستتر ، يا سيّدي ، أوراق عربيّ ، على شفير المقبرة ) وفي الشعر العاميّ ( حارتنا القديمة ، يا بلادي ، رابع سنة ، دفتر الشرطي .
0 كتبت سلسلة جميلة من المقالات تحت عنوان ( ذاكرة المدينة ) . فهل لديك توجه مستقبلي لتجميع هذه المقالات و غيرها بين دفتي كتاب ؟
- كتبت قبل أربع سنوات أو أكثر ثلاثين حلقة تجوّلت بها داخل حيّنا القديم ، ولكنني كنت غير راض عن صياغتها لأنّي كتبتها لنفسي ، وقد أخرجت منها أربع حلقات عند الزميل هليّل المزيني في ملحق شموس ، ولا أخفيك أنّ فكرة إعادة صياغتها من جدبد راودتني لولا أنّ ما يشغلني الآن أهمّ من هذا المشروع .
0 بما أن الحديث عن ( ذاكرة المدينة ) . إلا تدفعك هذه الذاكرة المدعومة بجمال و روعة أسلوبك الأدبي إلى إعادة صياغتها بشكل روائي ؟ أو على الأقل ألم تحرك بك ـ هذه الذاكرة ـ القدرة الروائية الكامنة في داخلك ؟
- بالنسبة لاقتحام التجربة الروائيّة ، رغم خطورتها ، فإنّها- كفكرة مشروع كتاب الذاكرة- واردة وقد حدّثت نفسي بخوض تجربة الرواية ، ليس من أجل أن أكون روائيّا ، أو تقليداً لهذه الظاهرة الجديدة في مشهدنا الثقافيّ ، ولكن لأنّ في داخلي مدينة من العواطف والشعور وأظنّ أنّ فنّ الرواية هو الفنّ الأقرب للكاتب الذي يريد أن يصرخ وحده في فوّهة بئر عميقة .
0 لنعد إلى ( النقد ) ، بودي أن أسألك عن أبرز السمات التي تراها في تجربة طلال حمزة ، كنموذج مهم في الأسماء الشعرية التي حظيت باحتفاء الإعلام الشعبي ؟
- حين انحاز الشعراء للألفاظ ، انحاز طلال حمزة للفكرة البعيدة عن قارعة الطريق ، و بذلك استطاع أن يبتعد عن الزحام ، لعلَ هذا هو الخيط الرفيع بين طلال حمزة و غيره من الشعراء ، فشعره بسيط لا يحتوي على موسيقى صاخبة من الألفاظ ، ملامحه غير معقدة التركيب ، تأمَل قوله : وش يذبح الرجَال غير انَه يشوف
أخسَ خلق الله ياخذ مكانه !
ستجد البيت بسيطا في تركيبه و مفرداته ، لكنَ اقتناص هذه ( الفكرة ) للتعبير عن حالة الزمن الرديء هو ما جعله خارج التراكم الشعريَ ، ولاشك أنَ تميَز طلال حمزة كان أكثر في شعر التفعيلة .
0 هل يفتقر الشاعر الشعبي إلى القدرة في وضع بصمته الشعرية على ما يكتبه من نصوص ، و إلا كيف يستطيع شاعر شاب أن ينتحل اسم نايف صقر و ينشر قصيدة باسمه على صفحة كاملة في إحدى المجلات ؟
- لا الشاعر الشعبيّ ، ولا غيره من الشعراء ، يستطيع أن يضع له بصمة بالمعنى الذي يتعذّر على أحدٍ سرقته ، هناك منهج شعريّ يمكن تصنيف الشعراء من خلاله ، بعض الشعراء لا يحيد عن منهجه ، والبعض الآخر يراوح بين منهجٍ ومنهج ، وبناءً على هذا التراوح والاحتكاك بين الشعراء فإنّه لا يستطيع أحدٌ أن يكتشف " قصيدة " منحولة ، ولا أن يردّ نصّاً مسروقاً لصاحبه
0 برأيك هل يمكن لصحافة الأدب الشعبي ممثلة بالمجلات المتخصصة أن تقدم رسالتها في خدمة الموروث و تقديم رسالة أدبية واعية دون الإخلال بضوابط الجانب التسويقي الذي تعتمد عليه في مبيعاتها ؟
- كنت قبل أن أقترب من العمل الصحفي في المجلات أظن أن تغيير النظرة السائدة للصحافة الشعبية من خلال المجلات لا تحتاج إلى أكثر من تغيير الغلاف وكثافة المادة الثقافية ، و بعد أن اقتربت أكثر وجدت أن ( التسويق ) هو كل شيء و أن الثقافة و خدمة الموروث لا تتجاوز ترويسة المجلة . فخرجت بهذا الرأي . لا يقف ضد ثقافة القارىء سوى القارىء فلنخلَص الأول من الثاني كي نستطيع خدمة الموروث و نقدم له رسالة أدبية واعية دون الحاجة إلى التسويق الذي يصرفه من رسالتنا إليه . و أبشرك ، يا أخ سلطان ، فثمة مجلات بدأت تضع في اعتبارها ما ينبغي أن تقدمه لقارئها ، لا ما ينبغي أن تعمله لسياسة التوزيع و الطلب
-------------------------------------------
حوار : سلطان الجهني
جواهر - أبريل