ضياء يوسف
21-04-2007, 20:48
تحية لليل لا يقشعه صبح إلا ليعود
ولسوالف تحكيها أجيال لأجيال
إعجاز خلق العمق مجاوراً للبساطة
http://www.alriyadh.com/2007/04/05/img/054044.jpg
شادية والحلم حكاية طويلة وغير منتهية. حين أقول هذا أعني انها تأتي في الواقع بصيغة حلمها وامتداد له فيفرض عليها الحلم رموزه وتفرض عليه معالجتها الواقعية التي تقربه من أن يكون محسوساً للآخرين فيرون ما تراه ويشعرون بصيغة الواقع التي تعيشها. اخبرتني أختها رجاء وسط لوحاتها مؤخراً ان احدى أحلام شادية كان نهاية احدى روايتها. هكذا أحلام شادية حاسمة ومتكاملة حد الانتهاء بها. هكذا أحلامها مكتفية بذاتها كموضوع. شادية في أماكن اخرى تحدثت عن وجه امرأة لاحقها في الحلم حتى صار من غير الممكن الهروب عنه لذلك صارت تطاردها هي لتضعها في لوحات وكيفيات تحييها في واقع من خلاله تقول شسوعاً يكفي لتكون مجموعة (وبا) متاحة للتواجد في تفاسير بصرية تتلاحق باتساع الحاضر - الواقع - المرأة.
هاجس الحلم والواقع ووضعهما في اطار لعبة هو الهاجس الأعلى عند شادية لذلك من يحاكمونها بالتعدد أظنهم لا يشيرون إلى الوحدة الكبرى (وحدة الحلم - الواقع) المجتمعين في عالم يتنوع.. يختار أجناسه الخاصة.. ويتناسل اعمالا تؤدي إلى اخرى.
في صالة البارح للفنون التشكيلية في البحرين في الثلاثاء السادس من مارس الجاري 2007م بحضور السفير السعودي عبدالله إبراهيم القويز ومستشار رئيس الوزراء للشؤون الثقافية محمد المطوع افتتحت شادية معرضها المقام ضمن انشطة ربيع الثقافة 2007م.
في تحليل المعرض بشكل عام سيبدو انه يحتوي على أربع مجموعات - تسابيح ودلتا ووبا ومجموعة أعمال منفذة بتقنية رقمية هي مجموعة أسلاك ومطر.
ضوء التسابيح
.. مجموعة تسابيح في الزاوية الساخنة التي ما أن تضع لها الروح في مقدمة البصر حتى تشعر بأن ثمة انصهار يحدث في داخلك.. انصهار يرقى مراقي الموسيقى التي تموج بألوان اللوحات. لمسات تأثيرية في قالب لوني جريء في تكوينات وديان وقرى تسبح في اضاءة الألوان. كأنها تقول الوادي والزرع والبيوت المطلة على الجرف.. وتقول ما حولها في آن. تسابيح الطبيعة في التكرار وفي الملمس وفي الطاقة مجتمعة في هيكل بصري واحد.
هذه المجموعة تقطف الزائر بمجرد دخوله تأخذ بصره منذ البدء لحالة فوران.. لفكرة أن كل هذه السخونة كانت في داخل كائن وخرجت إلى حيز البصر من خلال الأصابع.. انها مشاعر من المحال تجاوزها بفكرة (كانت شادية ترسم فقط)!.
http://www.almansouria.org/media/art-small/image009.jpg http://www.almansouria.org/media/art-small/image011.jpg http://www.almansouria.org/media/art-small/image010.jpg
(وبا) امرأة الحلم في شكل واقعي
مجموعة بورتريهات (وبا) هي مجموعة قديمة نسبياَ عرفنا من خلالها شادية أول ما عرفناها.. وجوه غاية في الدرماتيكية تعيش موتها وسكونها وتحديقها.. انها المرأة التي ذكرناها سابقاً في حالات كثيرة..
في هذه المجموعة ثمة نضج لوني ومعالجات غاية في الاحتراف على مستوى الخامة التي هي في الحقيقة أكثر الخامات المستخدمة في الخليج على صعيد المعارض والتجارب الشخصية للفنانين وهي المجموعة التي أظن أن المتذوق البسيط والعادي سيقف عندها كثيراً لانها وان كانت تحوي من الضمنيات ما لا يدرك الا بمراس وتأمل قديم لكن ما يظهر منها هو صورة واضحة يمكن تتبع ملامحها بالحدس العادي. هذه الأعمال تشبه من قريب الاجواء التي اشتغلت عليها توأمها رجاء. كل لوحة هي في الحقيقة حكاية نص مواز مكثف الإيحاء.
دلتا - السطوة في بدائية الخلق
المجموعة الثالثة - دلتا.. من الاختزال والعمق أن تكون متعة بصرية لا تنتهي. بدائية الخامات المستخدمة والرقة والبساطة في التعامل معها يأخذ لفكرة الخلق الاول. الكانفس الأبيض بحالته البدائية بالاحتمالات المفتوحة المستعد لها حاضر.. بملمسه الأصلي..والحبر بخصوصيته البسيطة والنافذة في تشكيل البياض له سطوة (كن) البسيطة والجريئة والكافية لخلق (كل) متوازن وحاضر..
المجموعة نفذت لأجل كتاب جمع شادية مع الروائي الليبي المشهور إبراهيم الكوني لذلك استعارت شادية منه بعض الجمل المتناثرة في مجموعتها هنا وهناك بخط حر يعيدنا بحروفه وحريته لبدائية (كن) فعلا بالمعنى الذي يتعدد دون أن يتجاوز نفسه لغير فكرة الخلق المعجزة. أظن المجموعة جريئة حد الدهشة ومذهلة في تتعبها حد حالة الاكتشاف والمغامرة خصوصاً وان سواداتها وأحمرها المنثور بأناقة يمنح من الايقاع ما لا تمل العين معه المتابعة. انها اعمال لا تعطيك فرصة أن تبحث عن فكرتها وقليلا قليلا تكون صورتك الشخصية الموازية لها والتي تفترضها احتمال تفسير.. انها أعمال تتخطى بك سريعاً لصدمة أصلها.. للخامة العارية من أي تجميل. الخامة المرهونة لفكرة التوازن ولاشيء آخر. لخطوط بسيطة تكفي ليكون البياض (شيئاً) كاملا - عني أنا - اضطررت للجلوس والتحديق في الاعمال لأن ثمة زخم شعوري لا يطاق في تلك الجرأة على الحضور لا يمكن معه تجاهل هذا الدوار والوقوف قبالته. انه الخلق الاول متقنعا بلوحات صغيرة ومتفرقة. انها كون (كن). انها العلاقة بين نحن حين نخلق بهذه البساطة.. ثم لا نتذكر أننا من أصل حرفين.. لا أكثر!!.
امام هذه المجموعة قالت لي شادية انني أتيت وكلي استعداد مسبق لتلقي اللوحات على هذا النحو. لكنني لا أظن انني تدخلت في حركة الحبر تلك التي من البساطة أن تفكر في قدرتها على حجز البياض في تلك المساحات الخاشعة!.
صراع الأسلاك والمطر
مجموعة الأعمال الرقمية ذات فلسفة اخرى تماماً (أسلاك ومطر) انها مجموعة عميقة تظهر صور أسلاك شائكة بينها أسلاك شائكة حقيقية ومرحلتين من معالجة تلك الصور رقمياً.. يمكن ادراك هذه المجموعة بثلاثة سياقات. سياق فكرتها ومادتها الأصل.. وسياق تحولاتها.. وسياق الآلية المستخدمة في انشاء العمل وعرضه. في السياق الاول يمكن لنا التوقف عند المادة الاولى التي نشأ منها العمل وهي مجموعة أسلاك مثبتة على جدار منزل لمنع الناس من الاقتراب منه. الدوران حول هذه الفكرة هو في الأصل مناقشة للحذر والعزلة والامتناع.. للمقاومة الناشئة من فكرة الخوف. وللخوف المعلق بأكمله على سلوك حذر وحيد هو العزل!. في هذا السياق استطيع تفهم اختيارها لاسم المطر كمادة متجاوزة لا تحجزها هشاشة الأسلاك الشائكة.. ومن ناحية اخرى المطر مخلوق متعدد الاحتمالات.. متعدد الحالات.. سفره الطويل يجعله في ولادات متحولة ومتطورة.. لذلك فكرة المطر قد تتمثل في تلك الكائنات التي لا يمنعها الشوك من الوصول.. الكائنات التي تجاوزت هذا الجمود وما عاد يجرح وجودها.. الكائنات التي تعتاد المرونة فتنفذ. انها المرايا التي تقول عن الأشواك واهتزازها ما لا تقوله حقيقة الأشواك. وأيضاً يمكن تبعاً لهذه الرؤية اخذ المطر الساكن في بقع طينية مأخذ البشر المتربعين أسفل الأسلاك الشائكة المستظلين بها وبفكرتها الظاهرين في الصورة يكررون صورة الأشواك ويفخمونها - إن صح التعبير - في سلوك يشبه سلوك المرددين لقول حذر وثابت لكن بطريقة تشوهه أكثر من أصل فكرته!
إذاً هنا تحديداً التشويه لا يحدث بفعل شادية فقط فالصورة في أصلها معنى مشوه في داخله انعكاس يزيده تشويهاً. مثل فكرة الخوف تماماً مشوهة في ذاتها وتضخيمها يزيدها.
في السياق الثاني يمكننا أن نراها مجموعة تأخذ لأسئلة كثيرة حول كل ما يمكن انه انطلق من (الريبة) ثم تحول لفنتازيا لا يفسرها المنطق وتأخذ لفرقعات ومهرجانات لا تنتهي. لنا تقدير كم هي مسافة التحول بين الريبة والفرقعات متاحة للغرابة المزعجة!. كم حدث وفكرة نمت بتلكم الكيفية.. حذر يتحول لخوف.. ثم لاشباح وهمية.. ثم لعرس من المخاوف الحادة!. انها كل الأشياء التي تأخذ المجتمع من فكرة بسيطة - وقد تكون معتادة - عبر تحولات واعادة تكثيف للفكرة إلى انفجار غير معقول لا يمكن أن نقارنه بنواة الفكرة الاولى!.
وهو هنا الصراع بين الشوك وصورته في بقع المطر - المرايا.
في السياق الثالث تجاوز بتقنية تعرية الفكرة على نحو جديد تماماً فمن ناحية - فكرة كوننا مجتمعاً يضخم الكثير من الأشياء التي لا تحتمل كل هذا التضخيم المنطلق من الريبة هي فكرة معتادة ومطروقة. من ناحية اخرى تقنية الفوتوشوب صارت أشبه باصبع اتهام يوجه لأي مبدع يستخدمه ربما لأنها تقنية متاحة ونحن على شفا مرحلة ادمانها!. هذان الجانبان هما الأهم في العمل ويبدو ان وجودهما تحديداً جنباً إلى جنب يخلق منبع الدهشة في العمل المتجاوز في جرأة حضوره. ليس عادياً مطلقاً أن ترتقي الفكرة بالمعالجة وأن يرتقي حضور المعالجة بإطار الفكرة في عمل واحد.. ليس عادياً أن يكون التجاوز هو في اعادة تشكيل الوعي بالفكرة وإعادة تشكيل الوعي بالتقنية. اجزم أن هذا اخذ الكثير من المتلقين لتقدير تلك الآلية التي لا يجرؤ عليها كثيرون في عالمنا العربي خوفاً ورهبة من المغامرة الإبداعية والوقوع في دائرة الخروج عن المألوف.
فوق كل هذا وذاك في اطار هذه المجموعة تحديداً ثمة فكرة مثالية تتبعتها وعكفت على دراستها في اعمال ابداعية متعددة هي فكرة (مناسبة القالب في ادواته لفكرة العمل الأصلية). أي ان ادوات العمل من رهبة فعلية.. وتنقل موضوعاً قائماً في معناه على (الرهبة!). ان ادراك الإبداع في أخذ الرهبة اداة ومعنى.. متعة خالصة ولحظة اكتشاف تستحق ارتكاب رقيها.
في جانب الفلسفة أظن من المدهش اطلاق سؤال على شاكلة - لماذا استطاعت شادية أن تأتي بالاسلاك الشائكة نفسها لتعرضها لنا بين صورها ولوحاتها ولم تأت ببقع الماء - المطر! بينما أسمت مجموعتها (أسلاك ومطر)!. قد يقول قائل ان الاتيان بالمطر صعب العرض وقد يقول اخر وستكون الاجابة حينها مقنعة أكثر.. أن البشر عندنا بصيغة الاسلاك كثر لكن البشر بصيغة المطر قلة نادرة لذلك تغييبهم من الواقعية بمكان!
في المجموعة الرقمية الاخرى عجوز معها مرافقون قالت لي شادية عن تلك الصورة الاولية قبل تدخلات حاسوبها الذي أفرز احتمالاتها في لوحات جميلة (كانت تتأمل الاعمال في معرض حديث لفتت نظري لحقت بها والتقطت لها ومرافقيها صورة) هنا ومن تلك اللحظة نستطيع ان نمسك بخيط الاحتمال الذي بنت شادية عملها عليه على اعتبار ان اول دهشتها لابد وانه أيقظ اشكالا من الاحتمال كسلوك فطري يأخذنا لتجربة تفسيراتنا الخاصة في وعينا الخاص. الاعمال التي ظهرت من تلك اللقطة المحفوظة فيها من الفلسفة والغنى البصري الذي إن فات أحد الامساك بعمقه لن يفوته بالتأكيد الغنى اللوني في الأعمال.
الاحتمال وما بعده
ثمة عمل تراكبي اخير حجزته شادية في زاوية مضاءة فيه قطعة قماشية قديمة طالما استخدمتها شادية للاتكاء عليها حين تلون اعمالها على الطاولة. في العمل أيضاً دمية معلقة عبارة عن قطع قديمة قامت شادية بتركيبها. هذه الدمية المشنوقة التي تتدلى يظهر لها ظلان كبيران على الجدار يبدوان مفزعين أكثر من الدمية وأكثر من حالة الشنق. من خلال هذا العمل قد نبدأ في ادراك سيرها العام في اعمالها - الاحتمال وما بعده. فهنا الاحتمال السلبي للدمية القديمة قد يكون في ذاته مادة خصبة لاحتمالات أكثر سلبية.
البعض في جو الكتابة عن شادية يركز على حقيقة انها لم تمر بأكاديمية فنية وأنا لا ألومهم فهذا النضج من ما يدهش لكنها حقيقة اقرب للاستيعاب في رأيي من كونها عبرت بقوانين الأكاديميات العربية وبقيت بهذا الشعور المنفتح على التجريب. شادية كائنة في اللون لأنها تحضر الروح بما تتعلمه وتلتقطه بصوفيتها الفطرية.. لا بما تلقته.
شادية قالت في احدى لقاءاتها (أحيل الأشياء العادية إلى أشياء غير عادية).. وأقول أن الواقع شيء عادي لكن بعجنه بفكرة الحلم يخرج فعلاً من كونه ليكون شيئاً غير عادي.
ولسوالف تحكيها أجيال لأجيال
إعجاز خلق العمق مجاوراً للبساطة
http://www.alriyadh.com/2007/04/05/img/054044.jpg
شادية والحلم حكاية طويلة وغير منتهية. حين أقول هذا أعني انها تأتي في الواقع بصيغة حلمها وامتداد له فيفرض عليها الحلم رموزه وتفرض عليه معالجتها الواقعية التي تقربه من أن يكون محسوساً للآخرين فيرون ما تراه ويشعرون بصيغة الواقع التي تعيشها. اخبرتني أختها رجاء وسط لوحاتها مؤخراً ان احدى أحلام شادية كان نهاية احدى روايتها. هكذا أحلام شادية حاسمة ومتكاملة حد الانتهاء بها. هكذا أحلامها مكتفية بذاتها كموضوع. شادية في أماكن اخرى تحدثت عن وجه امرأة لاحقها في الحلم حتى صار من غير الممكن الهروب عنه لذلك صارت تطاردها هي لتضعها في لوحات وكيفيات تحييها في واقع من خلاله تقول شسوعاً يكفي لتكون مجموعة (وبا) متاحة للتواجد في تفاسير بصرية تتلاحق باتساع الحاضر - الواقع - المرأة.
هاجس الحلم والواقع ووضعهما في اطار لعبة هو الهاجس الأعلى عند شادية لذلك من يحاكمونها بالتعدد أظنهم لا يشيرون إلى الوحدة الكبرى (وحدة الحلم - الواقع) المجتمعين في عالم يتنوع.. يختار أجناسه الخاصة.. ويتناسل اعمالا تؤدي إلى اخرى.
في صالة البارح للفنون التشكيلية في البحرين في الثلاثاء السادس من مارس الجاري 2007م بحضور السفير السعودي عبدالله إبراهيم القويز ومستشار رئيس الوزراء للشؤون الثقافية محمد المطوع افتتحت شادية معرضها المقام ضمن انشطة ربيع الثقافة 2007م.
في تحليل المعرض بشكل عام سيبدو انه يحتوي على أربع مجموعات - تسابيح ودلتا ووبا ومجموعة أعمال منفذة بتقنية رقمية هي مجموعة أسلاك ومطر.
ضوء التسابيح
.. مجموعة تسابيح في الزاوية الساخنة التي ما أن تضع لها الروح في مقدمة البصر حتى تشعر بأن ثمة انصهار يحدث في داخلك.. انصهار يرقى مراقي الموسيقى التي تموج بألوان اللوحات. لمسات تأثيرية في قالب لوني جريء في تكوينات وديان وقرى تسبح في اضاءة الألوان. كأنها تقول الوادي والزرع والبيوت المطلة على الجرف.. وتقول ما حولها في آن. تسابيح الطبيعة في التكرار وفي الملمس وفي الطاقة مجتمعة في هيكل بصري واحد.
هذه المجموعة تقطف الزائر بمجرد دخوله تأخذ بصره منذ البدء لحالة فوران.. لفكرة أن كل هذه السخونة كانت في داخل كائن وخرجت إلى حيز البصر من خلال الأصابع.. انها مشاعر من المحال تجاوزها بفكرة (كانت شادية ترسم فقط)!.
http://www.almansouria.org/media/art-small/image009.jpg http://www.almansouria.org/media/art-small/image011.jpg http://www.almansouria.org/media/art-small/image010.jpg
(وبا) امرأة الحلم في شكل واقعي
مجموعة بورتريهات (وبا) هي مجموعة قديمة نسبياَ عرفنا من خلالها شادية أول ما عرفناها.. وجوه غاية في الدرماتيكية تعيش موتها وسكونها وتحديقها.. انها المرأة التي ذكرناها سابقاً في حالات كثيرة..
في هذه المجموعة ثمة نضج لوني ومعالجات غاية في الاحتراف على مستوى الخامة التي هي في الحقيقة أكثر الخامات المستخدمة في الخليج على صعيد المعارض والتجارب الشخصية للفنانين وهي المجموعة التي أظن أن المتذوق البسيط والعادي سيقف عندها كثيراً لانها وان كانت تحوي من الضمنيات ما لا يدرك الا بمراس وتأمل قديم لكن ما يظهر منها هو صورة واضحة يمكن تتبع ملامحها بالحدس العادي. هذه الأعمال تشبه من قريب الاجواء التي اشتغلت عليها توأمها رجاء. كل لوحة هي في الحقيقة حكاية نص مواز مكثف الإيحاء.
دلتا - السطوة في بدائية الخلق
المجموعة الثالثة - دلتا.. من الاختزال والعمق أن تكون متعة بصرية لا تنتهي. بدائية الخامات المستخدمة والرقة والبساطة في التعامل معها يأخذ لفكرة الخلق الاول. الكانفس الأبيض بحالته البدائية بالاحتمالات المفتوحة المستعد لها حاضر.. بملمسه الأصلي..والحبر بخصوصيته البسيطة والنافذة في تشكيل البياض له سطوة (كن) البسيطة والجريئة والكافية لخلق (كل) متوازن وحاضر..
المجموعة نفذت لأجل كتاب جمع شادية مع الروائي الليبي المشهور إبراهيم الكوني لذلك استعارت شادية منه بعض الجمل المتناثرة في مجموعتها هنا وهناك بخط حر يعيدنا بحروفه وحريته لبدائية (كن) فعلا بالمعنى الذي يتعدد دون أن يتجاوز نفسه لغير فكرة الخلق المعجزة. أظن المجموعة جريئة حد الدهشة ومذهلة في تتعبها حد حالة الاكتشاف والمغامرة خصوصاً وان سواداتها وأحمرها المنثور بأناقة يمنح من الايقاع ما لا تمل العين معه المتابعة. انها اعمال لا تعطيك فرصة أن تبحث عن فكرتها وقليلا قليلا تكون صورتك الشخصية الموازية لها والتي تفترضها احتمال تفسير.. انها أعمال تتخطى بك سريعاً لصدمة أصلها.. للخامة العارية من أي تجميل. الخامة المرهونة لفكرة التوازن ولاشيء آخر. لخطوط بسيطة تكفي ليكون البياض (شيئاً) كاملا - عني أنا - اضطررت للجلوس والتحديق في الاعمال لأن ثمة زخم شعوري لا يطاق في تلك الجرأة على الحضور لا يمكن معه تجاهل هذا الدوار والوقوف قبالته. انه الخلق الاول متقنعا بلوحات صغيرة ومتفرقة. انها كون (كن). انها العلاقة بين نحن حين نخلق بهذه البساطة.. ثم لا نتذكر أننا من أصل حرفين.. لا أكثر!!.
امام هذه المجموعة قالت لي شادية انني أتيت وكلي استعداد مسبق لتلقي اللوحات على هذا النحو. لكنني لا أظن انني تدخلت في حركة الحبر تلك التي من البساطة أن تفكر في قدرتها على حجز البياض في تلك المساحات الخاشعة!.
صراع الأسلاك والمطر
مجموعة الأعمال الرقمية ذات فلسفة اخرى تماماً (أسلاك ومطر) انها مجموعة عميقة تظهر صور أسلاك شائكة بينها أسلاك شائكة حقيقية ومرحلتين من معالجة تلك الصور رقمياً.. يمكن ادراك هذه المجموعة بثلاثة سياقات. سياق فكرتها ومادتها الأصل.. وسياق تحولاتها.. وسياق الآلية المستخدمة في انشاء العمل وعرضه. في السياق الاول يمكن لنا التوقف عند المادة الاولى التي نشأ منها العمل وهي مجموعة أسلاك مثبتة على جدار منزل لمنع الناس من الاقتراب منه. الدوران حول هذه الفكرة هو في الأصل مناقشة للحذر والعزلة والامتناع.. للمقاومة الناشئة من فكرة الخوف. وللخوف المعلق بأكمله على سلوك حذر وحيد هو العزل!. في هذا السياق استطيع تفهم اختيارها لاسم المطر كمادة متجاوزة لا تحجزها هشاشة الأسلاك الشائكة.. ومن ناحية اخرى المطر مخلوق متعدد الاحتمالات.. متعدد الحالات.. سفره الطويل يجعله في ولادات متحولة ومتطورة.. لذلك فكرة المطر قد تتمثل في تلك الكائنات التي لا يمنعها الشوك من الوصول.. الكائنات التي تجاوزت هذا الجمود وما عاد يجرح وجودها.. الكائنات التي تعتاد المرونة فتنفذ. انها المرايا التي تقول عن الأشواك واهتزازها ما لا تقوله حقيقة الأشواك. وأيضاً يمكن تبعاً لهذه الرؤية اخذ المطر الساكن في بقع طينية مأخذ البشر المتربعين أسفل الأسلاك الشائكة المستظلين بها وبفكرتها الظاهرين في الصورة يكررون صورة الأشواك ويفخمونها - إن صح التعبير - في سلوك يشبه سلوك المرددين لقول حذر وثابت لكن بطريقة تشوهه أكثر من أصل فكرته!
إذاً هنا تحديداً التشويه لا يحدث بفعل شادية فقط فالصورة في أصلها معنى مشوه في داخله انعكاس يزيده تشويهاً. مثل فكرة الخوف تماماً مشوهة في ذاتها وتضخيمها يزيدها.
في السياق الثاني يمكننا أن نراها مجموعة تأخذ لأسئلة كثيرة حول كل ما يمكن انه انطلق من (الريبة) ثم تحول لفنتازيا لا يفسرها المنطق وتأخذ لفرقعات ومهرجانات لا تنتهي. لنا تقدير كم هي مسافة التحول بين الريبة والفرقعات متاحة للغرابة المزعجة!. كم حدث وفكرة نمت بتلكم الكيفية.. حذر يتحول لخوف.. ثم لاشباح وهمية.. ثم لعرس من المخاوف الحادة!. انها كل الأشياء التي تأخذ المجتمع من فكرة بسيطة - وقد تكون معتادة - عبر تحولات واعادة تكثيف للفكرة إلى انفجار غير معقول لا يمكن أن نقارنه بنواة الفكرة الاولى!.
وهو هنا الصراع بين الشوك وصورته في بقع المطر - المرايا.
في السياق الثالث تجاوز بتقنية تعرية الفكرة على نحو جديد تماماً فمن ناحية - فكرة كوننا مجتمعاً يضخم الكثير من الأشياء التي لا تحتمل كل هذا التضخيم المنطلق من الريبة هي فكرة معتادة ومطروقة. من ناحية اخرى تقنية الفوتوشوب صارت أشبه باصبع اتهام يوجه لأي مبدع يستخدمه ربما لأنها تقنية متاحة ونحن على شفا مرحلة ادمانها!. هذان الجانبان هما الأهم في العمل ويبدو ان وجودهما تحديداً جنباً إلى جنب يخلق منبع الدهشة في العمل المتجاوز في جرأة حضوره. ليس عادياً مطلقاً أن ترتقي الفكرة بالمعالجة وأن يرتقي حضور المعالجة بإطار الفكرة في عمل واحد.. ليس عادياً أن يكون التجاوز هو في اعادة تشكيل الوعي بالفكرة وإعادة تشكيل الوعي بالتقنية. اجزم أن هذا اخذ الكثير من المتلقين لتقدير تلك الآلية التي لا يجرؤ عليها كثيرون في عالمنا العربي خوفاً ورهبة من المغامرة الإبداعية والوقوع في دائرة الخروج عن المألوف.
فوق كل هذا وذاك في اطار هذه المجموعة تحديداً ثمة فكرة مثالية تتبعتها وعكفت على دراستها في اعمال ابداعية متعددة هي فكرة (مناسبة القالب في ادواته لفكرة العمل الأصلية). أي ان ادوات العمل من رهبة فعلية.. وتنقل موضوعاً قائماً في معناه على (الرهبة!). ان ادراك الإبداع في أخذ الرهبة اداة ومعنى.. متعة خالصة ولحظة اكتشاف تستحق ارتكاب رقيها.
في جانب الفلسفة أظن من المدهش اطلاق سؤال على شاكلة - لماذا استطاعت شادية أن تأتي بالاسلاك الشائكة نفسها لتعرضها لنا بين صورها ولوحاتها ولم تأت ببقع الماء - المطر! بينما أسمت مجموعتها (أسلاك ومطر)!. قد يقول قائل ان الاتيان بالمطر صعب العرض وقد يقول اخر وستكون الاجابة حينها مقنعة أكثر.. أن البشر عندنا بصيغة الاسلاك كثر لكن البشر بصيغة المطر قلة نادرة لذلك تغييبهم من الواقعية بمكان!
في المجموعة الرقمية الاخرى عجوز معها مرافقون قالت لي شادية عن تلك الصورة الاولية قبل تدخلات حاسوبها الذي أفرز احتمالاتها في لوحات جميلة (كانت تتأمل الاعمال في معرض حديث لفتت نظري لحقت بها والتقطت لها ومرافقيها صورة) هنا ومن تلك اللحظة نستطيع ان نمسك بخيط الاحتمال الذي بنت شادية عملها عليه على اعتبار ان اول دهشتها لابد وانه أيقظ اشكالا من الاحتمال كسلوك فطري يأخذنا لتجربة تفسيراتنا الخاصة في وعينا الخاص. الاعمال التي ظهرت من تلك اللقطة المحفوظة فيها من الفلسفة والغنى البصري الذي إن فات أحد الامساك بعمقه لن يفوته بالتأكيد الغنى اللوني في الأعمال.
الاحتمال وما بعده
ثمة عمل تراكبي اخير حجزته شادية في زاوية مضاءة فيه قطعة قماشية قديمة طالما استخدمتها شادية للاتكاء عليها حين تلون اعمالها على الطاولة. في العمل أيضاً دمية معلقة عبارة عن قطع قديمة قامت شادية بتركيبها. هذه الدمية المشنوقة التي تتدلى يظهر لها ظلان كبيران على الجدار يبدوان مفزعين أكثر من الدمية وأكثر من حالة الشنق. من خلال هذا العمل قد نبدأ في ادراك سيرها العام في اعمالها - الاحتمال وما بعده. فهنا الاحتمال السلبي للدمية القديمة قد يكون في ذاته مادة خصبة لاحتمالات أكثر سلبية.
البعض في جو الكتابة عن شادية يركز على حقيقة انها لم تمر بأكاديمية فنية وأنا لا ألومهم فهذا النضج من ما يدهش لكنها حقيقة اقرب للاستيعاب في رأيي من كونها عبرت بقوانين الأكاديميات العربية وبقيت بهذا الشعور المنفتح على التجريب. شادية كائنة في اللون لأنها تحضر الروح بما تتعلمه وتلتقطه بصوفيتها الفطرية.. لا بما تلقته.
شادية قالت في احدى لقاءاتها (أحيل الأشياء العادية إلى أشياء غير عادية).. وأقول أن الواقع شيء عادي لكن بعجنه بفكرة الحلم يخرج فعلاً من كونه ليكون شيئاً غير عادي.