المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الطوفان..!


السر الخزين
14-02-2007, 14:38
[1]

شاهد عيان :
مارأيته بالمطار الدولي.. دعاني للعجب.. فمثل العادة الوقت من الثالثة ظهراً وحتى الخامسة والثلث عصراً [ موعد الإقلاع ] مخصص للإخوة السودانيين المسافرين والمودعين .. أوقفنا السيارة في الباركنج المخصص ومشينا على أقدامنا حتى بلغنا الأبواب الزجاجية [الفل أوتوماتيك]..انفتحت الأبواب وبانفتاحها نفذت العطور إلى أنوفنا .. ولعطر الخمرة – بضم الخاء- سحر لايقاوم خصوصاً عند العزاب الذين تركوا نسائهم في حدائق البان أبطالاً لاإكراهاً وهم يرددون كل مساء ذاك المقطع من أغنية جميلة [اساهرالليل ياجميل].. ونحن بالداخل كنا أشبه ببيت عرس بمدينة الصافية .. الثياب آخر موضة تتناثر برفق فوق أرض الصالة الملساء فتتشكل مثل لوحات [رباح].. الذي يرسم على القرع والكوسا والبطيخ حيث تتداخل الألوان وتتباين في بعض الأحيان .. أما الأحذية ذات الكعوب العالية كانت هنا تعبث بها الأقدارفحملت أثقالاً.. أصباغ وأحمر شفايف – تذكرت قدوم أحمر – أو ذلك الطائر الصغير ذو المنقار الأحمر الذي كان ومازال يتقافز فوق أغصان بستاننا بقريتنا [ الكربة] في ولاية النيل .. وكنا صغاراً نهم بإصطياده فنخشى دخول النار – هذه إشاعة اطلقها الكبار حماية للطائر الرقيق الرشيق.. صدقناها نحن بعفوية مطلقة ..! أما الحناء فمثل حظي حالك السواد .. وفي القائمة أصناف من المشهيات .. أسورة رفيعة من الذهب الخالص تلتف حول مؤخرة السيقان المكشوفة عمداً .. وأرتال من القطع الذهبية المموسقة وقد غطت المنطقة من أخمص القدمين مروراً بخط التماس إنتهاءً بالأذنين مع ثلاثة ملاعق كبيرة من التبرج السافر للعيان .. ثم ابتسامات مصنوعة بيضاء ولعمري لأول مرة أشاهد إبتسامة خضراء ..بين الطلة والطلة تطل علينا دموع الفرح ممزوجة بالحزن وأنات الفراق .. مشهد رائع خاتمته دلع فتاك ..تذكرت :

ماكان أحــلى أحاديث الهــــوى
إن كنت لا تــذكــــــر فأسأل فمك
تمر بي كــأنني لـــــم أكــــــــن
ثغرك أو صـــدرك أو معصـــمك
لــو مــّر ســــيف بيننـا لم نكن
نعلم هـل جـــرى دمــــي أو دمك

الصالة تكتظ وقد امتلأت بالعلب الفارغة من سفن أب وبرتقال وعصير تفاح [ تذكرت عبق الأنفاس حينما كنت بأديس أبابا في ا لخريف الماضي].. أناس بعمائم .. وآخرون ببدلات كاملة في عز الصيف .. وأنا طفل صحبني أخي الأكبر إلى السينما أحببت تظاهرات الهنود الحمر ..!
الشوارب كثيفة واللحى متدلية – الأغلبية هنا حرامية إنقاذ – والعيون تلتقط والطرود والحقائب تركض على السيور .. الدولارات تدفع بسخاء .. بقايا الأمتعة مرصوصة جوار أهلها .. موظفو المطار يتصببون أمامنا عرقاً .. سألني مرة موظف الخطوط .. لماذا تحملون معكم كل هذه الأطنان ..؟! أجبته وأنا أتصبب عرقاً مثله .. رياضة ..! لم يبتسم بل عبس أكثر ولم يعرني بعد ذلك إهتماماً .. الميزان يتأرجح .. الحقائب المنتفخة تعاد للتفتيش بعد أن لفظها الليزر..الحظ دائماً حليف السرطان .. في هذا الجو المتسرطن يعبر أحد الأمريكان شاقاً الصفوف بصعوبة بالغة يدفع أمامه حقيبة صغيرة جداً هى كل المتاع ..!

[2]

الطائرة توشك على الإقلاع .. لكنها تتأخر دقيقة أو إثنتين وفي بعض الأحيان عشراً لعدم انتظام الركاب [بالمناسبة الرحلة الوحيدة التي تتأخر في الوصول والإقلاع من بين مئات الرحلات على لوحات الإعلان ].. أطفال يلعبون على أرضية الصالة .. وآخرون يبكون لأن الأمهات الشابات أهملن الرضاعة وهن يبرزن المفاتن – دون قصد – على خشبة المعرض المفتوح .. فجأة شاب مليح يأتى على مهل يشق الصفوف .. مائة عين تلتقطه .. ترصده ثم تتابعه.. الأزواج يشعرون بهذا الخطر المباغت .. يطلقون صافرات الإنذار .. في غمضة عين ترتد الأبصار إلي أعقابها.. ويغيب [ الطراد ] بين زحمة الأمواج ..!

[3]
الآن إكتظت المقاعد بالمسافرين.. السيارات تتقهقر الى الوراء .. الأطفال يركضون داخل مماشي الطائرة لايفرقون بين دهاليز الطائرة أو زقاق الحارة .. بكاء الرضع يبلغ الذروة .. أصوات المضيفات تضيع وسط الرجة .. الطائرة تقلع .. تجري على مسارها .. الأطفال مازالوا يركضون رغم تحذير المضيفة المتكرر إلى ضرورة ربط الأحزمة وإيقاف التحرك داخل المقصورات .
[4]
الطائرة تطير.. الكل صامت .. لكن لحظة توزيع الوجبات يشتعل الهرج والمرج من جديد .. فتسمع عويل الأطفال وضجة الكبار .. ركاب يدخنون في الأمكنة الممنوعة .. وآخرون يمتنعون عن التدخين في المباحة .. إحساس بالإحباط يعتريني .. المضيفة تتحدث الإنجليزية بطلاقة .. والركاب لايفهمون شيئاً على الإطلاق ..!
[5]

بعد ساعة وثلث .. تهبط الطائرة مطار الخرطوم .. قبل الهبوط يتدافعون .. وأمام حظائر الجمارك الغبرة يتساءلون .. ومن جديد يبدأ الطوفان .. أصحاب البكاسي والتكاسي واللواري يصعدون .. ومن ثم يبدأون عزف الكورال الشهير .. حيث يختلط الصياح فيبدو مثل نهيق الضفادع في ليل خريفي .. أم درمان الجديدة .. الصحافة بالنص .. السجانة.. أركويت .. حلة كوكو .. الدروشاب .. اللآماب .. بحر أبيض .. بري .. زقلونا .. القماير .. إلخ ....
الآن الضجيج بلغ منتهاه .. بينما تحاول أختنا العزيزة [ حليمة ] الرجوع إلى قديمها ومن نسى القديم تاه ..!
* إنتهـت .

سليمان السناني
19-02-2007, 02:40
لازال عطر ( الخُمرة ) يملأ هذه المتصفح فيزاد طوفان
الأحداث شجناً وجمالاً .

:42:

السر الخزين
19-02-2007, 18:30
[QUOTE=سليمان السناني;134478]لازال عطر ( الخُمرة ) يملأ هذه المتصفح فيزاد طوفان
الأحداث شجناً وجمالاً .

:21: ياسليمان .. بربك هل تعرف عطر " الخُمرة "؟! أسألك لأنه عطر سوداني خالص .. يُصنع خلف الجدران ولايباع في الأسواق .. لكن برائحة تجنن الفؤاد وتسحر القلوب وتُقرب الأحباب .. لك عاطر مودتي .

سليمان السناني
20-02-2007, 09:13
[QUOTE=سليمان السناني;134478]لازال عطر ( الخُمرة ) يملأ هذه المتصفح فيزاد طوفان
الأحداث شجناً وجمالاً .

:21: ياسليمان .. بربك هل تعرف عطر " الخُمرة "؟! أسألك لأنه عطر سوداني خالص .. يُصنع خلف الجدران ولايباع في الأسواق .. لكن برائحة تجنن الفؤاد وتسحر القلوب وتُقرب الأحباب .. لك عاطر مودتي .

كأنه يخترق رئتيّ الآن وأنا أكتب لك هذا الرد .

السودان وأهله عطر القلوب أستاذي :42:

السر الخزين
20-02-2007, 12:15
[QUOTE=السر الخزين;134522]

كأنه يخترق رئتيّ الآن وأنا أكتب لك هذا الرد .

السودان وأهله عطر القلوب أستاذي :42:

:21: ياسليمان.. أخجلتني.. والله ممنون لك .