المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصحراء نص عصي


عبدالرحمن العكيمي
26-07-2006, 08:10
مدخل ((في الصحراء العربية وجدت معنى لحياتي... رغم أنني ابن عاصمة الضباب ))
(لورانس العرب)


والصحراء نص لغوي سهل التناول من جهة وبالغ التعقيد من جهة أخرى والإنسان العربي البدوي نشأ من رحم هذا النص ونمت أصابعه وتفرعت وترعرت حتى أصبحت كشجر الطلح أو قل أشد قسوة من الطلح غير انه لاينتصب كثيرا ولايبيت في بطون الأودية كمايفعل الطلح الذي لايأبه بجريان السيل حين يداهم الوادي ذات صباح أو ذات مساء فيمر هدير الوادي ويبقى الطلح قاسيا وتنجلي السحب. فالإنسان البدوي المسكون بالقلق وكأن الريح تحته ذكي بالفطرة يسكنه الحذر يترقب الغد المحمل بالخير رحال يخايل الوسم يتتبع شعث الجبال ومواقع القطر وهو كائن انعزالي حينا بسبب الظروف التي تفرض عليه ذلك وكائن اجتماعي بفعل قوانين القبيلة وسلطتها التي تقف أحيانا عائقا أمام انطلاقة الإنسان/ الشاعر. وهو كائن تطلعي مثقل بعدم الاستقرار والهدوء فحياة الصحراء ليست ترفا وارتياح إنها حياة تطلع وترقب وحياة تحد وإصرار واثبات للذات وقبل هذا كله فضاء يشرع أبوابه للانطلاق.
إن الصراع والجدل القائم بين المشهد البدوي والحياة المدنية والحقبة التي عاشها أبناء جزيرة العرب أفرزت تغييرا ثقافيا وفكريا وإبداعيا فتطورت اللغة ونمت الأدوات لدى المبدع القادم من مشهد بدوي فالكثير من المبدعين في بلادنا يكتبون وهم يقعون تحت تأثير ثقافة صحراوية وذاكرة بدوية شعروا بها او لم يشعروا فأوجدوا شكلا من أشكال الإبداع لدينا وحاكاهم البعض من المبدعين الذين لاينتمون أصلا الى ذلك المشهد ولم يتفاعلوا معه ولايبحثون عنه ولكنهم وجدوا أنفسهم أمام هذا الشكل الإبداعي الذي ينطلق من سطوة حضور الصحراء العربية التي تفرض طقوسا لمتعاطي تفاصيلها كما أنهم ينطلقون من ذاكرة بدوية ومن رؤية مثقلة بالصحراء وتجلياتها وهذا موجود سواء في الشعر العامي او الشعر الفصيح وثمة شعراء طبعوا على ذائقة بدوية وعلى مخزون امتلأ من الأودية والشعاب ومن السهول والجبال والقفار ورائحة الشيح والخزامى ورائحة حطب (الارطى والغضا)
فهذا الشاعر الكبير محمد الثبيتي تظهر لغته الشعرية الغزيرة مثقلا بمصطلحات من وحي الصحراء وبرؤية تنبع من هاجس الإنسان العربي حتى تلك التضاريس التي رسمتها الصحراء في قدمي الشاعر من شقوق تجسد معاناة البدوي الذي يسير حافيا بين الجبال والدروب الوعرة يحولها الى لغة يطل منها الى إبداعه ورغم مضي سنوات العمر والانتقال الى حياة المدينة تبقى رائحة الرمل شاهدة ويبقى عبير الخزامى يتسلل فوق عباءة البدوي المسكون بالبداوة والبياض يقول الثبيتي :
وتلك في هاجس الصحراء أغنيتي
تهدهد العشق في مرعى شويهاتي
ويقول ايضا:
أنا حصان قديم فوق غرّته
توزع الشمس أنوار الصباحات
أنا حصان عصيّ لا يطوعه
بوح العناقيد أو عطر الهنيهات
أتيت أركض والصحراء تتبعني
وأحرف الرمل تجري بين خطواتي
ويقول ايضا
هذي الشقوق التي تختال في قدمي
قصائد ٌصاغها نبض المسافات-
فلن تزيلي بقايا الرمل عن كتف
--------- ولا عبير الخزامي من عباءاتـــي
ويقول في قصيدة أخرى:
أدِرْ مهجة الصبح
واسفح على قلل القوم قهوتك المرةَ المستطابة
أدر مهجة الصبح ممزوجة باللظى
وقلّب مواجعنا فوق جمر الغضا
ثم هات الربابه
هات الربابه :
الأديمة زرقاء تكتظ بالدما
فتجلو سواد الماء عن ساحل الظما
ألا قمرًا يحمرُّ في غرة الدجى
ويهمي على الصحراء غيثًا وأنجما
ان لغة الثبيتي مترعة برائحة الصحراء وامتدادها الصحراء التي تسكن بداخل الشاعر رغم رحيله من حيزها وابتعاده عن فيافيها انها اللغة التي شكلت حضورها رغم أنف المدينة وغيبوبتها الطاغية. الصحراء/اللغة الجديدة التي لاتقف عن حدود معينة. ان البدوي منتج ومستهلك للصحراء/ النص وحداثي في لغته وفي رؤيته حين يتفاعل مع مفردات الصحراء لكنه تقليدي غير متفاعل حين يتعامل مع الحياة المدنية والصحراء/نص لغوي عصي يكتنفه الغموض عصي على أولئك الذين أتوا متأخرين للصحراء ولازالوا يعيشون دهشة هذا العالم المتناهي بغموضه وأسراره الصحراء/حين تكون نصا متجاوزا لأنه نص طاعن في العمق والرؤية.

في الصحراء تتكئ القيم
وللصحراء قوانينها الخاصة ولغتها المحددة التي تقدم العديد من القيم والمثل النبيلة تجاه الإنسان والحياة والطبيعة ولايمكن لنا ان نسهب في الحديث عنها الآن لأنه موضوع ربما يطول ويتفرع لكننا يجب ان نتفق ان العديد من القيم الفاضلة صدرتها الصحراء الى الحياة المعاصرة والحياة المدنية وثمة عادات أخرى وقفت عائقا أمام بعض الحريات التي لاتخالف الشرع الإسلامي ولكنها اختلفت مع حريات مقبولة انطلاقا من ثقافتها وفكرها. والصحراء بقسوتها وتضاريسها ونار صيفها وزمهرير شتائها تبقى تمثل شكلا من أشكال الطبيعة الماثلة بكل تجلياتها ذلك الشكل الذي يدرك تفاصيله الانسان العربي المترع بالبداوة ذلك الإنسان الذي نشأ في مدارات شكلت تكوينته النفسية والجسمانية .تلك الصحراء التي تمتد من أول النبض وحتى ماوراء الشيب والبياض ورغم انتقال الإنسان العربي من مشهد البداوة وأنماطها والتماهي مع الجبال والسهول والوديان والكثبان الى حياة المدينة والحياة الأسمنتية المحكومة بأطر الحياة المعاصرة الخارجة عن نمط الأصالة الا انه يحاول الانفلات من أسر تلك التفاصيل الأسمنتية كي لايظل في ديمومة تخلو من فضاء فطري اعتاد على الحراك في داخله حتى بلغ الحال بالإنسان البدوي ان يرسم مشهدا آخرآ داخل الإطار المدني الذي يدور في فلكه فيبني خيمة عربية ذات أطناب او بدون أطناب داخل فناء منزل تحيط به عمائر وبنايات متغطرسة من الاسمنت ويضع موقدا وحطبا (وشدادا) (وجاعدا) وما الى ذلك يقول الروائي العربي الكبير ابراهيم الكوني وهو ابن الصحراء الذي عاش فترة من الزمن في عالم الصحراء وهو المثقف المبدع الذي يشتغل بالرواية وينطلق من الصحراء باتجاه العالم ينطلق من تفاصيل الرمل ورائحة الأشجار البرية الى عالم مثقل بالاسمنت وغطرسة التكنولوجيا هو يرى مالايرى فقد أسهب كثيرا في تأمل الأشياء الصامتة وارتحل كثيرا يفتش في مفاصل الأحجار في الصحراء فعثر فجأة على الماء في الصحراء القاحلة
يقول ابراهيم الكوني((منذ الطفولة تعلمت أن كسر عود أخضر إثم كبير، لقد تربيت على هذه المبادئ وهي شفرات مزروعة في أعماقي، ويبدو أنها عند كتابة هذه الرواية استيقظت في لحظة ما)).
ويقول ذات حوار :
التحدث عن الصحراء كاستعارة للوجود الإنساني، الصحراء ليست صحراء في أعمالي ولكنها دائماً ظل لحقيقة أخرى، ظل لمبدأ ميتافيزيقي، هي دائماً استعارة للوجود.
ان ابراهيم الكوني يمتلك عالما روائيا واسعا بحجم الصحراء وهو الذي عاش غربة المثقف وانعزاليته وقد اتخذ من الصحراء مكان لعزلته فاتسعت رؤيته باتجاه الحياة فأورقت بين أصابعه صحراء مترعة بالخضرة والنماء.

سليمان السناني
04-08-2006, 04:50
صديقي الجميل / عبدالرحمن العكيمي :

في ظل كتابة كهذه عن عالمنا الأرحب ( الصحراء ) لا أستطيع
إضافة المزيد .. فهي وإن سرقتنا منها حضارة الاسمنت تبقى
الحاضن الحقيقي لنا بكل ما فيها من عمق واتساع وتيه أيضاً .

كنت أتمنى أن تأتي على ذكر رواية الأستاذ عواض ( على
مرمى صحراء في الخلف ) ربما أضافت الكثير لكتابتك القيّمة
هذه .

وافر التحايا :42:

عبدالرحمن العكيمي
10-08-2006, 17:17
صديقي العذب سليمان السناني

أشكر لك اطلالتك الحانية على موضوعنا (الصحراء)

أما رواية القاص والشاعر عواض العصيمي فلسوء الطالع أنني لم أحصل عليها وقد قرأت ماكتب عنها ولاشك أن عواضا يحمل لغة غزيرة ومفردة منتقاه من مخزون لغوي وفكري وله رؤاه التي تنطلق من الأرض ومن الانسان ومن هذا الكون العظيم ولاشك ان رواية تناولت الصحراء ستفتح أمامنا آفاقا واسعة باتجاهات عديدة لك الشكر مرة أخرى

فالح مشهور
12-08-2006, 14:53
-
أدِرْ مهجة الصبح
واسفح على قلل القوم قهوتك المرةَ المستطابة
أدر مهجة الصبح ممزوجة باللظى
وقلّب مواجعنا فوق جمر الغضا
ثم هات الربابه
هات الربابه :
الأديمة زرقاء تكتظ بالدما
فتجلو سواد الماء عن ساحل الظما
ألا قمرًا يحمرُّ في غرة الدجى
ويهمي على الصحراء غيثًا وأنجما

-

ابوعمر ( تخمش القلب بوجع احيان )
كل اعواد الثقاب في يديك اياك ان يتلبسنا العتم

لك وعليك الورد


0

عبدالرحمن العكيمي
14-08-2006, 05:46
أخي المبدع فالح مشهور((شاعر قصيدة النثر المسكون بالشمال))



أهلا بحضورك المحبب الى قلبي أتمنى أن أقتسم معك رغيف الحوار وجها لوجه فوق (خميلة)تكتظ بالندى
شكرا مرة أخرى