المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شاعر المقبرة


العابرة
08-06-2006, 15:52
..

- تحبّها؟
- منتمي إليها!
- وأنا؟!
- تنتمين إليها
- ألستُ وطنك ،، ألم أكنه يوماً ؟!
- كلاكما وطن !
- والفرق بيننا ؟!
- هي وحيدة وخصبة مثل حقل
- .........!!
- وأنتِ كذلك .. لكن الفرق في الرحيل.
- في الرحيل؟!
- ألستِ على أهبته .. أخترتُ أنثى لا تغادر !

بهدوء عاد إلى منضدته فيما صفقت الريح خلفها الباب بشدّة .. هنّ النساء .. فيهنّ من الأعاصير ساعة يشئن .. وفيهن من العصافير ساعة يغرّدن .. أمّا هو .. فهو الشاعر الذي قرّر السكن قرب مقبرة!

* * *

اختاره على مقربة منها .. منزلاً صغيراً على أطراف المدينة الصاخبة.. واختار غرفته لتطلّ عليها عبر نافذة .. "غرفة تطل على مساحة مقفرة،تجلب الكآبة".. قالت ذلك زوجته التي اختارها ، لتقلّم أظافر مزاجيّته..عندما أشارت بذلك نفاها إلى حجرة داخليّة بدون نوافذ ..أمّا تلك فقد أصبحت معبد الشعر.. وشاهد خلوته معها .

- ينصهر وقتك معها ، ومعي تنتصب عقاربه.
- أحرس أنصبتها
- ممّن؟!
- من العصافير التي تنقر أعين موتاها
- لمه ؟وهل كنتَ الحفّارأم فزّاعة طيور ؟!
- كنتُ الشاعر.. وأرضها الأم.. ورفاتنا صغارها المنثورين.

و مثلما تنقر تفاصيلها مفاتيح إلهامه مثلما تتوالي أصابعه على مفاتيح الآلة الكاتبة.. و بدأ يتلو تعويذة .. يبني قصيدة .. إسوارة تسوّر جهاتها المفتوحة .. أو سوراً يحيط جيدها الأعزل .. أشرف على مغازلتها .. حين تقدّم .. وجدها أماً .. حاول تكريمها .. حين شرع أطاحت بقلمه ..

- شاعر ومخبول!
- ألأنها أم ؟
- لأنها محض مقبرة
- بل عظيمة مثل الأمهات
- ليست مثلنا!
- بل وأعظم
- بماذا؟
- تحتضن أبداً ماتلفظه أرحامكنّ
-...........!!
- ثم أنها لا تغادر صغارها

ليست مثل أمه .. لازال يتذكّر بكاء الطفل الذي كانه .. عندما عثروا عليه يبحث عنها عاري الخطى ..في رحاب مدينة .... لازال يذكر قول عجوز طعناء للجمع الذي إلتم على نثار بكاءه : "لم يحلو لها العشُ" .. هجر منذها المدينة .. وكفر بالأمهات .. منتصراً لفكرة "الأم" في رأسه .

- بتُّ لاأحتمل!
- أيّنا.. ؟.. أنا أم هي ؟
- ليس بعد !
- ماذا إذن ؟
- المكان !
- مابه؟
- الأشباح .. تعيش معي .
- منذُ انتقلنا!!
- لكنني قاربت الجنون
- هل آذتكِ؟
- تكاد
- بماذا؟
- كأن تحتفي بالموتى الجدد وتدعوهم إلى وليمة في بيتي.
- شاركيهم الوليمة
- أشاركهم الموت ؟!

أحيانا يراها مثل غانية .. يعبرها كل يوم جسد ما .. تدس تحت أغطيتها الآف الأجساد .. هي أنثى لاتشبع .. مع ذلك لاأحد يمكنه الطعن في شرفها .. ليست خائنة لكنها تحتضن كل يوم عاشق جديد .. ومنذ يطئ حماها يصبح في مأمن إلى موعد القيامة.

_ لاتزال مسمّّرا إلى النافذة؟
- وغير النافذة؟
- أحلم بأن تبدأ معي حوار ما .. يضجّ بأركاني الصمت!
- عن ماذا؟
- عن أيّ شئ
- عنها إذن !
- ألا تملّ ؟!
- الحديث في غيرها صمت
- ومع غيرها؟
- أيضاً صمت
- حتّى أنا ؟!!
-...........!!
- ولو خيّرتك؟
- .........!!
- هي!! أو فلننتقل من هنا !
- .......................

* * *

توقّف عن الكتابة .. ترك المنضدة ..هو الآن وحيداً ..بها .. لها .. ومن أجلها .. توجّه إلى النافذة .. وجد أشباح الفوانيس تطارد أوّل الليل فيها ..ظنّه حلماً!
ثم في منتصف الليل .. تدحرجت جماجم الموتى المنثورين ..وتبدّلت لحودهم طرقاً .. فظنّه كابوساً!
تواصل الزحف .. وفي الصباح .... أصبحت المقبرة جزء من المدينة . !!



العابرة,

محمد علي العسيري
08-06-2006, 15:59
العابرة ..



حضورٌ ـ أخضر ـ مدهش ..
كعادتك تورقين حرفا حرفا ..
كنت اقرأ هذه المعزوفة كـ فصل من رواية ( ربما تكتبينها قريبا )
( حدسُ شاعر ) .


لن أكتفي بهذه القراءة ، حتماً سأعود ..



* نافذة :
" توقيعك ما زال مجنوناً " !




تحياتي

سعود الصاعدي
08-06-2006, 17:00
0
0
0
رائعٌ هذا التفكير الفلسفيّ العميق : المقبرة / رحم !
شعرت وأنا أقرأ بالطمأنينة ، هذه الكتابة تجعل المقابر أوطانا ، وهي كذلك ، فحين نتصالح مع المقبرة مثلما هو الشاعر نكون قد فتحنا بوّابة السعادة في عمق القلق !
أيتها العابرة : لم تكن قصتك هذه عابرة ، كانت تعبر إلينا لتستقرّ في عواطفنا !

* أتّفق مع القارىء المختلف محمد العسيري
بدت لي هذه " القصّة " كمقّدمة لرواية عميقة التفكير ، تستوحي أفكارها العميقة من المقبرة ، وربما تكون هي مسرح الرواية المكاني ! من يدري فقد تعثرين أثناء العمل على شخوص/أشباح يجعلون من هذه الرواية حكاية مختلفة تغري باقتنائها ، أقول : من يدري ؟

صالح القرني
08-06-2006, 18:18
هذه العابرة

هي وحيدة وخصبة مثل حقل
تخرج من ثغر حلم منسي
وتتركنا نتزاحم أمام بابه



يا غزيرة الحلم
ها نحن نقبل بمتعة السير
في ردهات المصادفات الجليلة
وقد قررنا أن نسكن قرب حقلك



:42:



.
.
.

العابرة
15-06-2006, 21:07
..

محمّد علي العسيري :


أنتَ أشعلتَ الشرارة :85:















أنتظر عودتك بفارغ الإنتظار
أحتاج إلى اضاءاتها حتما

***

وعبر النافذة :
كنت قد استبدلتُ التوقيع قبل ثواني من اضافتك لردّك
هو هنا :) :

http://www.l22l.com/l22l-up-4/78d29c75d0.jpg


.
.

العابرة
18-06-2006, 02:09
..

سعود الصاعدي:

ولم تكن قراءتك كأيّ قراءة
سعيدة جدّا بتوقيعك/اشادتك

قلتُ لمحمد العسيري أنّه أوّل من أشعل الشرارة في رأسي ..
أكتب رواية؟؟
روااااية؟!!
وهل يحق لي أنّ أمدّهـــا لأنطقها بهذا الشكل!
رواااااااااااااااية؟!!
وأنا التي أتعجّب دوما من كونها أصبحت-أي الرواية- موضة الأوساط الأدبية في السعودية ..
هل أفعلها في هذا الوقت المبكّر ؟!
<---------------------------:)


حسناً ..
بدأت في هضم الفكرة الآن ..
وبفضلكم..

فـ (من يدري؟!) :)

كل الشكر

.
.

العابرة
03-11-2006, 21:03
..

صالح القرني:


مثل الأشياء/الأطياف الجميلة التي تأتي دفعة واحدة
المطر
الحلم
رائحة الطين
والسنابل



(وردة)
كل الود .. وتحيّة

.
.

ياسر سعود
06-11-2006, 20:27
هي أنثى لاتشبع .. مع ذلك لاأحد يمكنه الطعن في شرفها .. ليست خائنة لكنها تحتضن كل يوم عاشق جديد .. ومنذ يطئ حماها يصبح في مأمن إلى موعد القيامة.


العابره

حرف جذاب يستلك منك

لتتبعه بدهشه وقشعريره

تذيبك معه وتسافر حيث يحط رحاله

دمتي بألق

محمد علي العسيري
10-11-2006, 11:35
العابرة ...



نقطة ضوء :
ما كان من إشادتي سوى استشراف لحقيقة أتأملها فيكِ ، وحين يكون الأمر متعلّق بوضع الرواية النسائية الراهن ؛ فإننا حتماً بحاجةٍ لمن يسبر أغواء الوعي بمثل هذه الجرأة والحكمة في الكتابة .


:
:

الحواريّة في النصّ أعلاه هي من منح النصّ فكرة الخروج إلى أفق الرواية ، بعض الروايات التي نقرؤها وتُملي علينا سيرةً ذاتية أكثر من كونها سرداً لأحداث متنوعّة تقف في مصاف الروايات الشخصيّة ، غير أنني هنا قرأت صورةً وصوتاً من الداخل ، وكأن وعياً يتحدّث عن حدثٍ له أبعاد ..
ماذا تعني المقبرة !؟
الدلالة التي أصل إليها هي " حياة أولى " ومن ثمّ " موت وشيك " ..
الطريق إلى المقبرة حافل بأحداثٍ قد تكون الأهم في تفاصيل هذه القراءة : الرواية .

متى تًقدمين !؟





تحياتي

العابرة
29-12-2006, 02:06
..

ياسر سعود :


لحضورك ورأيك إمتناني


كل الورد


.
.